القسم الثاني: نبوة النساء:
إذا كان الوحي بوصفه مصداق الصلة باللَّه تعالى هو أحد الأدلة على نبوة الأنبياء عليهم السلام فإن هذا الملحظ نفسه هو ما اعتمده القائلون بنبوة النساء ممن ورد ذكر الوحي وخطاب الملائكة لهن، وينطبق ذلك عندهم على ما كان لسارة زوجة إبراهيم عليهما السلام، كما يضيف بعض المفسرين آسية زوجة فرعون من بعض الوجوه.
وعموما فإن المفسرين اختلفوا في نبوة النساء إلى رأيين:
الرأي الأول: من ينفي صفة النبوة عن أم موسى ومريم عليهم السلام بل عن النساء مطلقا «1» ، لذلك قالوا: إن الوحي إلى أم موسى عليهما السلام كان على سبيل الإلهام والقذف في الروع، أو عن طريق المنام، أو على لسان نبي في زمانها، أو بإرسال جبريل وهو ما فصلناه سابقا.
كما أنهم ذهبوا في مواجهة الملائكة لمريم إلى عدة احتمالات «2» :
فإما أنه كان كرامة لها عند من يجوّز الكرامات، وأيد الطوسي ذلك. وإما أن ذلك كان معجزة لزكريا عليه السلام وهو نبي زمانها. قال به جمهور المعتزلة والجبائي على رأسهم. وإما أن ذلك كان إرهاصا لنبوة عيسى عليه السلام، قال به البلخي وابن الأخشاد.
وقال آخرون إن مخاطبة الملائكة لها ربما كان بالإلهام والقذف في الروع كما كان لأم موسى عليهما السلام، وهؤلاء القائلون بنفي النبوة عن النساء يذهبون إلى أن من المتفق عليه أن جبريل لم ينزل بوحي الرسالة على امرأة «3» .
وتأكد ذلك بما روي عن الحسن أنه قال: ما أرسل اللَّه امرأة ولا رسول من الجن ولا من أهل البادية «4» .
ومما استدلوا به في قولهم قوله تعالى: وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: 7]
(1) انظر التبيان (2/ 457) ، والكشاف (2/ 536) ، ومفاتيح الغيب (8/ 46) ، وجامع أحكام القرآن (13/ 250) وغيرها.
(2) المصدر السابق.
(3) مسائل الرازي (ص 211) .
(4) التبيان (7/ 205) .