فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 276

والخلدي هنا يجعل التفاوت بين تكليمه تعالى لموسى وتكليمه للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من حيث حقيقة الكلام المسموع، فموسى سمع صفة موسى من ربه، أي أنه سمع الكلام من حيث أنه كلامه لأنه سمعه في داخله هو بآلاته هو، أما محمدا صلّى اللَّه عليه وسلّم فإنه سمع صفة ربه من ربه إذ سمع كلامه تعالى منه مباشرة.

ملك الوحي

للصوفية في واسطة الوحي المتمثلة بالملك الحامل له اختلاف بيّن، فابن عربي يرى أن للملائكة وظيفة الرسالة في ثلاثة وجوه وهي «1» : إنها مرسلة إلى الأنبياء بالوحي، وإلى الأولياء بالإلهام، وإلى غيرهم من الأشخاص الإنسانية وسائر الأشياء بتصريف الأمور وتدبيرها.

أما نزول الملك فلكونه روحا مجردة فإنه لا ينزل على صورته في مقام القلب وإنما ينزل بصورة تناسب الصور المتمثلة في مقامه، وفي هذا الإطار فسّر تمثّل الملك للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في صورة دحية الكلبي، (فهو لو لم يتمثل بصورة يمكن انطباعها في المصدر لما فهم القلب كلامه ولما رأى صورته) «2» .

ولجبريل في مذهب ابن عربي شأن خاص غير شأن جبريل ملك الوحي، إذ يرى فيه مبدأ الحياة في الكون، فهو الروح المنبث في الوجود بأسره .. وهو ليس إلا الحق ذاته متجليا في صورة ذلك الروح الكلي، فما ظهر في أي موجود من الموجودات هو لاهوت هذا الموجود أو جهة الحق فيه «3» .

ويبعد مجد الدين البغدادي أية احتمالات لتصرف المتخيلة في تمثّل الملك في الصورة البشرية، فرؤية النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وصحابته لجبريل في صورة الأعرابي أو صورة دحية الكلبي ليست من قبيل تصرف المتخيلة، لأن تصرفات القوة المتخيلة في الأشخاص المختلفة الطباع لا تكون على منهج واحد بل تختلف اختلافا بيّنا، فيخلص من هذا كله إلى أن تمثّل الملك في الصورة البشرية كمال مرتبة الروحانية وتصرفها في عالم الأجسام «4» .

(1) انظر تفسير القرآن الكريم (2/ 314) .

(2) المصدر السابق (ص 2/ 554) .

(3) فصوص الحكم (2/ 180) (التعليقات) .

(4) تحفة البررة (مخطوط برلين) نقلا عن ختم الأولياء للترمذي (الملحق) (ص 471) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت