فيكلمه على سبيل المناجاة والمكالمة والمكاشفة والمحادثة دون الرؤية لاحتجابه بحجاب الصفات.
أو يرسل رسولا من الملائكة فيوحي إليه على سبيل الإلقاء والنفث في الروع والإلهام والهتاف أو المنام.
وفي التكليم من وراء حجاب نجد أبا سعيد الخراز «1» يعمم صفة الخفاء في الوحي ويربط عموم الوحي للأنبياء بموقف التكليم لموسى وكأنه يستفيد من معنى الحجاب أن الحجب يكون بالتواري عن الأنظار والأسماع واختيار وقت التكليم بحيث تتحقق خصوصية الخفاء عن غير المكلّم بعدم حضور من يسمع أو يرى، فهو يرى أن اللَّه تعالى: (من غيرته أنه لم يكلم موسى إلّا جوف الليل وغيّبه عن كل ذي حس حتى لم يحضر كلامه معه أحد سواه، وهذا ما للأنبياء الآخرين أيضا حيث يحادثهم تعالى كذلك) «2» .
أما الواسطي فإنه أكد خصوصية المقام واشتراط الفناء في تكليم موسى له تعالى، إذ أن هذا التكليم لم يكن له حتى (غاب عن أنفاسه وحركاته وقام مقام الانفراد مع اللَّه تعالى فناداه: إني أنا اللَّه) «2» .
ويقارن جعفر الخلدي «4» بين تكليمه تعالى لموسى - عليه السلام - وتكليمه لنبينا صلّى اللَّه عليه وسلّم فيرى اختلافا في المقام بحسب موضع التكليم، فمقام موسى الطور ومقام محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم سدرة المنتهى وذلك (أن موسى - عليه السلام - سمع كلاما خارجا عن البشرية، وأضاف الكلام إليه وكلمه من نفسية موسى وعبوديته، فغاب موسى عن نفسه وفني عن صفاته وكلمه ربه من حقائق معانيه فسمع موسى صفة موسى من ربه، أما محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم فإنه إنما سمع من ربه فكان أحمد المحمودين عنده) «5» .
(1) أحمد بن سعيد (ت 279 ه/ 892 م) (صحب ذا النون المصري وسري السقطي وبشر بن الحارث وهو من أئمة الصوفية ومشايخهم. قيل: إنه أول من تكلم في علم الفناء والبقاء) ، انظر طبقات الصوفية (ص 228) .
(2) السلمي: حقائق التفسير، ورقة (77) .
(4) أبو محمد جعفر بن نصير الخواص. من مشايخ الصوفية. صحب الجنيد والنوري وكان مرجعا في علوم الصوفية وكتبهم وسيرهم (348 ه/ 959 م) ، انظر طبقات الصوفية (ص 334) .
(5) السلمي: حقائق التفسير، ورقة (77) .