ويبدو من خلال هذه الصور المختلفة كأن السهروردي يشير إلى أن حالة الإشراق تهيّئ من تكون له إلى إدراك مثل هذه الصور المختلفة والتي تلتقي بل تكاد تتطابق مع العديد من أشكال ظهور الملك للنبي في الوحي الكائن بواسطة الرسول الملكي.
وأما الاتجاه الثاني: فيرى ابن عربي أن النفس حين اتصالها بالمبادئ المجردة العالية وانخراطها في سلكها فإنها تتلقى الغيب بطرق عديدة «1» :
فإما على سبيل الوحي والإلهام والإلقاء في الورع والإعلام بمطالعة صورة الغيب المنتقشة هي بها منها، وإما على طريق الهتاف والإنهاء، وإما على صورة كتابة في صحيفة تطالعه (أي الغيب) منها، أو أن يتراءى لها صور تناسبها في الحسن واللطافة فيتجسد لها:
إما بقوة تخيلها وظهورها في حسها المشترك لاستحكام الاتصال واستقراره ريثما تحاكيها المتخيلة، وإما بتمثيلها في (مخيلة الكل) : التي هي السماء الدنيا، وانطباعها في مخيلتها بالانعكاس كما فيما بين المرايا المتقابلة، فتخاطبها بصورة الغيب شفاها على ما يرى في المنامات الصادقة.
هذه الصور المختلفة هي عموم ما يمكن تصوره من أشكال إلقاء الغيب إلى المتلقي. أما تلك الصور الثلاث الواردة في آية الشورى فإنه يضفي عليها عناصر الفكر الصوفي في أهم ما يميزه من الأحوال والمقامات، حيث أن التدرج في هذه الصور يتم تبعا للتدرج في تلك الأحوال والمقامات، مع ما يرتبط بذلك وينعكس عليه من خصوصيات مفاهيم وحدة الوجود وفناء الخلق في الحق، ففي تفسيره للآية يرى أن هذا التكليم الموصوف فيها يكون من ثلاثة وجوه «2» :
فإما بوصوله (أي المكلّم) إلى مقام الوحدة [مع الحق] والفناء فيه، ثم التحقق بوجوده في مقام البقاء فيوحى إليه بلا واسطة كما قال تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [النجم: 8 - 10] .
وإما (من وراء حجاب) بكونه في حجاب القلب ومقام تجليات الصفات،
(1) انظر تفسير القرآن الكريم (1/ 574) .
(2) تفسير القرآن الكريم (ص 437 - 438) .