فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 276

وهذه هي حقيقة الأمر وهو ما يؤكده د. أبو العلا عفيفي إذ يستخلص من الفكر الصوفي أن المراد بالقلب ليس تلك المضغة الكامنة في صدر الإنسان وإن اتصلت به اتصالا لا يعرف كنهه، وإنما المراد به في الحقيقة القوة الخفية التي تدرك الحقائق الإلهية إدراكا واضحا جليا لا يخالطه شك «1» .

رابعا - طريق المعرفة الذوقية:

إذا كان علم النبوة (العلم الظاهر) يتحصل للنبي من طريق الوحي دونما حاجة إلى الاستعدادات بل يكون بالاصطفاء والاختيار الإلهي الذي لا دور للنبي فيه، فإن العلوم الصوفية التي يعبرون عنها بالقلبية والإلهامية والذوقية .. إلخ، لا تأتي بالنظر والاستدلال العقلي كالعلم الإنساني العام، ولا تكون عن الوحي بنفس طريق النبي إليه وإنما هي عندهم معارف حقة كالوحي من حيث يقينها لا من حيث طريقها.

ولأن المعرفة كامنة في القلب فإن فيضها وانبثاقها لا يكون إلا بخلوص القلب للّه وحده، وهذه غاية يسعى الصوفي إليها، وهذا الخلوص يكون (بتخليص القلب من الأوهام بطرد كل خاطر يتصل بما سوى اللَّه) «2» .

وهذه مرحلة أساسية يمر بها الصوفي في طريقه إلى اللَّه، فالقلب محجوب عن الحق مشغول بسواه، تتنازعه العوامل المادية وعوامل العقل فيكون للشيطان - العدو بالتعبير الصوفي - إليه سبيل.

فالسالك في الطريق الصوفي عليه أن يمحّص حياته في تدبير الوسائل التي يقهر بها شيطان النفس ليستعد للكشف الإلهي والتوحد مع الحق.

فالطريق عند الصوفية يمثّل وسيلة الوصول إلى المعرفة ويقوم على أساس مجاهدة النفس وتصفيتها لإزالة الحجاب الذي يحول دون سطوح الأنوار الإلهية بالكشف، والنفس بذاتها هي الحجاب الذي لا سطوع لتلك الأنوار إلا بإزالته ولا يكون ذلك إلا بمجاهدته. يقول الغزالي مبيّنا الطريق للسالك لطريق التصوف (إذا لم تقتل النفس بصدق المجاهدة فلن يحيا قلبك بنور المعرفة) «3» .

(1) فصوص الحكم (2/ 139) التعليقات.

(2) المصدر السابق (2/ 137) .

(3) الغزالي: أيها الولد (رسالة) (ص 27) تقديم جورج شيرر اللجنة الدولية لترجمة الروائع، بيروت - ط 2 (1959 م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت