فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 276

ولقلب العارف - الذي يمثل عند الصوفية (الإنسان الكامل) الذي تحققت فيه كل صفات الوجود - احتواء الحق، فهو بهذا كما يرى ابن عربي أوسع حتى من رحمته تعالى لأنه وسع الحق ذاته بدليل

قوله تعالى في الحديث القدسي «ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» «1» .

والصوفية يرون في هذه الصلة للقلب بالاعتقادات أنه في الحقيقة هيولى الاعتقادات كلها، ذلك أن قلب العارف يشاهد الحق في كل شيء ويعبده في كل صورة وهو المرآة التي ينعكس فيها الحق فيشاهده) «2» .

ولكي يجمع ابن عربي للقلب صور الإدراكات المختلفة لإثبات هذه السعة يؤكد أن القلب والروع والفؤاد كلها مسميات لمعنى واحد تشكل جميعا محلا للوحي «3» .

وهو تمشيا مع فلسفته في وحدة الوجود وانطلاقا من قيام الفكر الصوفي على القول بالمعاني الباطنية واللجوء إلى التأويل الرمزي يرى أن القلب هو الطور الذي واعد اللَّه موسى عنده، ما دام الوحي والتكليم أمرا قلبيا داخليا نفسيا فالطور في قوله تعالى: وواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ .. [طه: 80] . هو طور القلب الأيمن الذي يلي روح القدس «3» .

وهذا المعنى والوصف للقلب بالطور يكاد يكون مفهوما صوفيا عاما إذ نجد له جذورا عند الحلاج الذي يعبر عنه شعرا بقوله «5» :

باللَّه ينفخ نفخ الروح في خلدي ... لخاطري ينفخ نفخ إسرافيل في الصور

إذا تجلّى بطوري أن يكلّمني ... رأيت في غيبتي موسى على الطور

فالقلب هنا محلّ للتجلّي الإلهي مثلما هو خزانة للعلم الإلهي.

ولا شكّ أن القلب في حدود هذه العضلة أو المضغة الصنوبرية الكامنة في بدن الإنسان لا يحتمل بهذا التحديد ما يحمّله إياه الصوفية إلا لو أريد به مفاهيم أخرى.

(1) فصوص الحكم (2/ 140) .

(2) فصوص الحكم (2/ 142) .

(3) تفسير القرآن الكريم (2/ 53) .

(5) أخبار الحلاج (ص 26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت