وأما حقيقة هذا الذوق فهي تبرز من خلال ما يعرّفونه به، إذ يفهمون من الذوق أنه: (ما يجده العالم على سبيل الوجدان والكشف لا البرهان والكسب ولا على طريق الأخذ بالإيمان والتقليد) «1» .
فهذا العلم فيض داخلي ينبع من الذات الإنسانية بطريق إلهي يعتمد المجاهدة النفسية أساسا في انبثاقه ويرتبط بالقلب - بمعناه الصوفي الخاص - ارتباطا قويا، إذ يمثل القلب أساس الإدراك الحقيقي في مقابل العقل الذي سلبوه هذه الميزة واعتبروه عاجزا عنها بل حجابا مانعا منها.
ويروي الصوفية في أخبارهم أن في بعض الكتب المنزلة: (يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به؟ ولا في تخوم الأرض من يصعد به؟ ولا من وراء البحار من يعبر ليأتي به؟ العلم مجعول في قلوبكم تأدبوا بين يديّ بآداب الروحانيين وتخلّقوا إليّ بأخلاق الصدّيقين أظهر العلم في قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم) «2» .
ويعبّر الحلاج، الحسين بن منصور البيضاوي (ت 309 ه/ 919 م) عن هذا المفهوم شعرا يصور هطول المعرفة الذوقية - بما يتوافر فيها من عناصر مشتركة مع الوحي - بقوله «3» :
أنعي إليك قلوبا طالما هطلت ... سحائب الوحي فيها أبحر الكلم
أما أبو طالب المكي فهذه المعرفة كما يرى مخزونة في القلب من حيث صلته بالملكوت، ذلك أن علم الباطن من عالم الملكوت وهو من أعمال القلوب والقلب خزانة الملكوت «4» .
ويعتدى الغزالي بوظيفة القلب في كونه محل العلم وخزانته إلى قلوب الملائكة أيضا، وذلك أن حقائق الأشياء مسطورة في اللوح المحفوظ بل في قلوب الملائكة، وأما حصولها في قلوب البشر فيكون بأن يتأدى أثر منها في القلب يماثل الحاصل في عالم الخيال، ويماثل ذلك الموجود في اللوح المحفوظ نفسه) «5» .
(1) فصوص الحكم (2/ 122) .
(2) علم القلوب (ص 53) .
(3) انظر أخبار الحلاج (مناجيات الحلاج) لمجهول (ص 12) تصحيح ونشر. ل. ماسينيون وب.
كراوس مطبعة القلم باريس. مكتبة لاروز. باريس (1936 م) طبعته بالأوفسيت مكتبة المثنى.
(4) علم القلوب (ص 54) .
(5) إحياء علوم الدين مجلد 3 (8/ 36) .