فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 276

والمخلوق ذوقا. وللقلب ارتباط شديد بالمعرفة في الفكر الصوفي حتى أنهم يعدّون علومهم علوما قلبية مثلما يدل الإلهام ضمن ما يدل عليه على صلة خاصة بالقلب كونه محلا لتلقي هذا الإلهام والمعرفة الذوقية في نفس الوقت الذي يجردون العقل من أيّ دور في هذه المعرفة، بل إنه يكاد يكون حاجزا عنها، فالعلوم الصوفية ليست عملا من أعمال العقل الواعي ولا مظهرا من مظاهره، فالعقل ومقولاته حجب كثيفة تحول بين الإنسان وعالم الحقيقة «1» .

ولكي يتوصل الإنسان إلى المعرفة الحقيقية ويدرك ما لا تظهر دلائله في الظاهر - الذي يمثل ما يستطيع العقل إدراكه منها - فليس أمامه إلا (باطن العلم وغامض الفهم والغوص على لطائف معاني التبيين وباطن الاستنباط من فهم التنزيل وتعليم التأويل) «2» .

وهذا الطريق هو وسيلة الصوفية للمعرفة، وهم يثبتونها لأنفسهم وتتسم مبانيهم الفكرية بسمتها ويجعلونها مستندا إليها من حيث مصدرها وعناصرها، فهم كما يقولون يتلقونها عن الحق تعالى مثلما يتلقى الأنبياء عنه بالوحي.

قال أبو القاسم الجنيد: (لو أن العلم الذي أتكلم به من عندي لفني وانقطع ولكنه من حقّ بدأ وإلى حقّ يعود) «3» .

وكما يعجز العقل من حيث نظره الفكري عن إدراك الأمور على ما هي عليه فإن الإخبار [الوحي] يعجز أيضا كما يرى ابن عربي عن إدراك ما لا ينال إلا بالذوق.

فلم يبق من طريق للعلم الكامل إلا (في التجلي الإلهي وبما يكشف الحق عن أعين البصائر والأبصار من الأغطية، فتدرك الأمور قديمها وحديثها وعدمها ووجودها ومحالها وواجبها وجائزها على ما هي عليه في حقائقها وأعيانها) «4» .

لهذا كله فقد بنى الصوفية علومهم على أساس روحي خالص يعتمد أساسا على الذوق، فصارت علومهم علوما ذوقية تمثل مظهرا من مظاهر الإرادة والوجدان، فالاتصال فيها روحي بعيد عن نطاق العقل وحدوده.

(1) د. عفيفي: التصوف (ص 18) .

(2) أبو طالب المكي: قوت القلوب في معاملة المحبوب (1/ 175) المطبعة المصرية القاهرة، ط 1 (1351 ه/ 1932 م) .

(3) أبو طالب المكي: علم القلوب (ص 53) .

(4) فصوص الحكم (1/ 133) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت