معها، واستلزم ذلك بروز دور الوسيط بينه، وبين تلك القوى لاستجلاء تعاليمها وأوامرها وما تريده من قرابين، وقد اختلف هذا الوسيط بين أن يكون بشريا تمثل في الكهنة، أو أن يكون عنصرا ماديا طبيعيا.
وما غلب في المعتقدات البدائية في هذا الاتصال - الوحي - أنه كان يمثل تصرفا خارجا عن قدرة الطبيعة ولذلك فإنه (غالبا ما ارتبط بأجسام فيزيائية كالأحجار والصخور وعظام الأموات، والحيوانات غير الطبيعية وأجسام أخرى، كما ارتبط بالأعمال السحرية المقدسة) «1» .
فالوحي في مفهومه العام هنا يبرز بوصفه وسيلة لهداية الإنسان إلى فكرة التعايش مع الإله المسيّر للوجود من خلال معرفة ما يريد وتطبيقه، وساعد في ذلك كما يرى ألكسيس كاريل: (أن الإنسانية أشربت بالوحي الديني أكثر مما أشربت بالتفكير الفلسفي، فقد كان الدين هو أساس الأسرة والحياة الاجتماعية في المدنيات القديمة) «2» .
وهكذا آمن الإنسان البدائي بأن العالم من حوله مليء بقوى غير منظورة تتصل به كالأورندا ( TheOrenda) عند الهنود الأمريكيين أو الهواكا ( Thehuaca) عند أهل بيرو القدماء «3» مثلا. وهذا ما جعلهم - كما يرى كولن ولسن - (أقرب من الإنسان الحديث إلى الحقيقة ذلك لأن حدسهم للقوى غير المنظورة جعلهم متفتحين لتلقي مظاهر وتجليات المعنى التي تحيط بنا) «4» .
وقد تولد عند الإنسان شوق إلى معرفة الغيب عبّر عن رغبة غريزية في الإيمان بتلك القوى غير المنظورة، وبالمغزى الأكثر اتساعا لما هو غير منظور ومغيب، فعاد وجود هذه القوى أمرا عاديا ومعروفا عند الإنسان البدائي، كما أخذ هذا المفهوم الواسع للمغيبات بالتطور مع تطور الإنسان واستمرار مسيرته في الحياة.
وبتطور المدنيات وبروز الأسس الحضارية برز دور الدين بوصفه عاملا فعالا في شئون الحياة جميعها، فكان لا بدّ من استمرار دور الوسطاء البشريين في تلقي تعاليم الإله وقد مارس الكهنة هذا الدور المهم.
(2) الإنسان ذلك المجهول (ص 157) ، ترجمة شفيق أسعد فريد، مكتبة المعارف - بيروت - 1974 م.
(3) كولن ولسن: الإنسان وقواه الخفية (ص 5) ، ترجمة سامي خشبة، دار الآداب - بيروت ط 3 1980 م.
(4) المصدر السابق (ص 6) .