ففي العراق القديم «تمتّع هؤلاء الكهنة بمكانة مرموقة (و مارسوا) تأثيرا كبيرا في الحياة العامة «1» ». ولم يقتصر هذا التأثير على عامة الناس بل امتدّ حتى إلى الملوك والعظماء، فقد ذكر د. سامي سعيد الأحمد «أنه قد وجدت كتابات تشير إلى أساسيات في الوحي في منطقة (ماري) الواقعة الآن في تل الحريري (دير الزور) إذ ورد فيها: أن جماعات ادّعوا أنهم أنبياء يستمدون الوحي من الإله دگن ( Dagan) وكان الحاكم يستمع لهم ويطيعهم، وكانوا يمنعون الحاكم أحيانا من القيام بأعمال معينة ويدّعون أن ذلك الأمر بالمنع من وحي الإله دگن» «2» .
وقد عرف السومريون أيضا مفهوم النبوة، وقد مرّ بنا أن من صور الوحي التي أشار إليها د. فوزي رشيد عندهم لفظ: گودي بمعنى المنادى ومنه اشتق لفظ كوديا بمعنى النبي الذي يناديه الإله، ومصداق هذا النداء يتمثّل في حلمه الذي عد اتصالا مباشرا مع الإله (ننگرسو) عن طريق الحلم، والذي أراد منه فيه أن يبني له معبدا - كما فسرته أخته الإلهة (نانشيه) -.
وللأحلام تأثير بارز في حياة العراقيين إذ كانت نافذة للاطلاع على الغيبيات، وكان العراقي يعتقد أن كل ما يرد في أحلامه هو حقيقة، وأنها أحداث ستواجهه في المستقبل وعليه أن يجد لها تفسيرا ليفيد منها في المستقبل أو ينفذها طاعة للإله.
وكانت أهم الأحلام وأغلبها ورودا عند العراقيين الأحلام التي تظهر فيها الإلهة إرادتها، وتنقسم إلى: إخبارية ورمزية «3» فالإخبارية لا تحتاج إلى تفسير لأن الإله ينادي الحالم فيها بنفسه ويملي طلبه عليه صريحا، أما الرمزية فذات صلة بخبرة الحالم وارتباطاته لذا فهي تحتاج أحيانا إلى التفسير، وإضافة إلى ذلك فقد وردت عند العراقيين أشكال من الخطابات الموجّهة من الآلهة إلى البشر كمظهر من مظاهر الوحي تتضمن أمورا حقيقية غيبية ستحدث (كإخبار الإله «أيا» ل «أوتونابيشتم» بحدوث الطوفان، وأمره إياه في حلم ببناء الفلك) «3» .
(1) الأحمد (سامي سعيد) المعتقدات الدينية في العراق القديم (ص 6) ، دار الشئون الثقافية العامة - بغداد - ط 1، (1988) .
(2) لقاء شخصي معه في كلية الآداب - جامعة بغداد في 14/ 11/ 1990 (إذن بالنشر) وقد أشار فيه إلى أن مصدر هذه المعلومات هو كتاب بالألمانية عنوانه (الأنبياء في إسرائيل والشرق الأدنى) لعالم الآثار الر ماير ضم ترجمات لرقم طينية عديدة.
(3) الأحمد: المعتقدات الدينية في العراق القديم (ص 74) .