فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 276

أما الإمامية فإنهم قالوا بخصوصية رؤيا الأنبياء عليهم السلام كغيرهم من الفرق الأخرى وهم يمتنعون عن إطلاق صفة الوحي على رؤيا غير الأنبياء عليهم السلام وإن صحّت وفي ذلك يقول الشيخ المفيد: (و قد يرى اللَّه سبحانه وتعالى في المنام خلقا كثيرا ما يصح تأويله وتثبت حقيقته لكنه لا يطلق بعد استقلال الشريعة عليه اسم الوحي .. ) «1» .

والشيخ المفيد - ومعه أغلب الإمامية - وتبعا لقولهم بالتنزيه والعصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام يذهبون إلى: (أن منامات الرسل والأنبياء والأئمة صادقة لا تكذب، وأن اللَّه تعالى عصمهم عن الأحلام) «2» فكل ما يراه الأنبياء عند الإمامية هو صحيح لا يحتاج إلى تعبير وتأويل. والأحلام التي عصم عنها الأنبياء عليهم السلام هي ما كان مصدره الشيطان، وهي ما تصرفت فيه المتخيلة تصرفا كثيرا حتى عاد بحاجة إلى التأويل والتعبير.

وقد تحولت الرؤيا الصادقة في المنام في الفكر الإسلامي إلى واحدة من أهم الطرق البديلة للوحي بعد وفاة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم، إذ برزت فكرة الاستمداد من الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم عن طريق المنامات الصادقة التي يكون الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم طرفا فيها.

وقد اشترطوا للقطع بصحة ما يرد في هذه المنامات أن تتكرر ثلاث مرات كما حدث لإبراهيم الخليل عليه السلام ليكون ذلك دليلا على وثاقتها وصدقها «3» .

ومن تلك الرؤى الشهيرة ما كان (لأبي الحسن الأشعري والتي قيل إنها كانت سببا في قيامه بتأسيس المذهب الكلامي الأشعري ورفضه الاعتزال، وقد ورد في خبر تلك الرؤيا أن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم جاء الأشعري في المنام ثلاث مرات وحثّه على نصرة المذاهب المروية عنه صلّى اللَّه عليه وسلم، وقيل: إن الأشعري قال في ذلك:(فعلمت أن ذلك من مدد اللَّه تعالى الذي بشرني فيه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم) «4» .

وقد أخذت هذه الحالة بعد ذلك بعدا واسعا، وحرص الكثير من المعتدلين على الأخذ بها وممارستها ونسبتها لأنفسهم للاستمداد من الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم.

(1) شرح عقائد الصدوق (251) .

(2) أوائل المقالات (ص 84) .

(3) د. الشيبي (الوحي عند الوصفية والمتكلمين) مجلة بين النهرين العددان (39 - 40 ص 224) .

(4) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت