الحواس والخيال، فمن ينظر إلى السماء والأرض ثم يغمض بصره يرى صورة السماء والأرض كأنه ينظر في خياله.
من هذه المراتب المختلفة يستنتج «1» :
إن الحاصل في العقل الإنساني موافق للعالم الموجود في نفسه خارج خيال الإنسان وعقله، والعالم موجود في الخارج موافق للنسخة الموجودة في اللوح العقلي وهو سابق على وجوده في القدر والصور المثالية وهو سابق على وجوده الجسماني ويتبعه وجوده الخارجي ويتبع ذلك وجوده الخيالي وهو يتبع وجوده العقلي أي وجوده في القوة العاقلة الإنسانية المتحدة بالعقل الفعّال.
فالوجود بحسب هذا الترتيب كان عقلا ثم نفسا ثم حسّا ثم جسما، وما حدث أنه دار على نفسه بعد المرور بتلك المراحل فصار حسّا ثم نفسا ثم عقلا فارتقى إلى ما هبط منه واللَّه تعالى هو المبدأ والغاية.
ومن هذا كله يخلص إلى أن حقيقة العالم وهيئة الوجود يحصلان في القوة العاقلة للإنسان وينطبعان فيها وتدركهما بطريقين «2» :
فتارة من جهة الاقتباس من الحواس، وأخرى من اللوح المحفوظ والألواح القدسية وترامي الأشياء فيها.
هذا بالنسبة لحقائق الوجود عموما في إدراك النفس لها وانطباعها بها.
أما طريقة انتقاش المعارف والعلوم فإنها من حيث حصولها في باطن الإنسان تكون بوجهين: فتارة تهجم عليه كأنه ألقي فيه من حيث لا يدري، سواء كان ذلك عقيب شوق وطلب أم لا، وهذه العلوم يعبر عنها بالحدس والإلهام وهي على نوعين بحسب مرتبتها:
النوع الأول: ما لا يدري الإنسان كيف حصل ومن أين حصل له وهو الإلهام والنفث في الروع، وهو يختص بالأصفياء.
والنوع الثاني: ما يطّلع معه على السبب الذي منه استفيد ذلك العلم ويكون
(1) المبدأ والمعاد (ص 358 - 359) .
(2) أيضا (ص 357) .