2 -فإذا صارت الحاسة والنزوعية والناطقة [و هي شواغل المتخيلة] على كمالاتها الأول بأن لم تفعل أفعالها، وذلك كما يكون الحال في النوم، حينئذ تنفرد المتخيلة بنفسها فارغة عما شغلها من هذه الأمور فتعود إلى ما تجده عندها من رسوم المحسوسات محفوظة باقية فتفعل فيها، وهذا الفعل يكون على أنواع «1» .
أ - فإما أن تركب بعضها على بعض أو تفصل بعضها عن بعض.
ب - المحاكاة وهي خاصية لها من بين سائر قوى النفس وذلك بأن تحاكي الأشياء المحسوسة التي تبقى محفوظة فيها وهذه المحاكاة أنواع بحسب ما تحفظه من تلك الأشياء فهي تحاكي أحيانا المعقولات، وأحيانا القوة الغاذية، وأحيانا القوة النزوعية، وأحيانا ما يصادف عليه البدن من المزاج.
هذا كله ما يكون في الرؤيا في النوم عموما.
فأما الرؤيا الصادقة فهي عنده ما يعطيه العقل الفعال للقوة المتخيلة من الجزئيات، وهذا العطاء ليس مباشرا بينهما بل (إن الناطقة هي التي تفيض على المتخيلة ما نالته من العقل الفعال) «1» .
ويكاد ابن سينا أن يتفق كثيرا مع الفارابي في أمر الرؤيا التي يرى أن مجال ظهورها هو الحس المشترك، ويربطها كما فعل الفارابي بالمتخيلة من حيث الفعل والتأثير وحالة النوم كما يرى ابن سينا هي حال أشبه بالمرض منها بالصحة فإذا كان انشغال النفس في حال النوم ضعفت القوى الحسية وبالتالي تعطل الحس المشترك.
وهذا الأمر يهيّئ القوة المتخيلة للعمل لأنها (إذا وجدت الحس المشترك معطّلا لوحت فيه النقوش المتخيلة مشاهدة) «3» فيكون ما تراه النفس في النوم أحوالا في حكم المشاهدة.
فالحس المشترك يعتمد في الانتقاش بالغيب على قلة شواغل النفس، وهذا يسهم في تعطله منها، فإذا كان ذلك (كانت للنفس فلتات تختص عن شغل التخيل إلى جانب القدس، فينتقش فيها نقش من الغيب فيسيح إلى عالم التخيل وينتقش في الحس المشترك) «3» .
(1) آراء أهل المدينة الفاضلة (ص 88 و91) .
(3) الإشارات والتنبيهات (3، 4/ 874 - 875) .