فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 276

6 -تبين للوحي في الفكر الصوفي فهم خاص ارتكزت عليه معارفهم فأضفوا عليه تعابير وصيغا ومفاهيم تتسق مع ميلهم الجارف إلى الرمزية والتأويل الباطني بما لم يتوافر عليه أي اتجاه فكري آخر، وكانوا يميلون إلى تصوير الوحي بوصفه ظاهرة داخلية تمثّل انعكاسات لما ينبثق من النفس الإنسانية ويفيض عنها، ووجدنا الطريق إلى هذا الوحي للأنبياء عندهم مرتبطا بالاصطفاء الإلهي، ويتعلق عند غير الأنبياء خصوصا الأولياء والسالكين بمجاهدة النفس وإفنائها في الحق وصولا إلى الاتحاد بين الحق والخلق (أي: اللَّه ومخلوقاته) فيفيض العلم من النفس، وهو في الحقيقة عندهم يفيض من الحق المتحدة معه الفانية فيه.

7 -وجدنا المتكلمين يميلون إلى دراسة الوحي والبحث فيه من زاوية غير مباشرة تعلقت بالبحث في الكلام الإلهي وحقيقته وكونه محدثا أو قديما باختلاف الآراء مع محاولة تفسير كيفية الوحي من خلال حقيقة ما يوحى من هذا الكلام الإلهي وكون ذلك بواسطة أو بغير واسطة بحسب نوع المتلقى، وربطوا بين الوحي وظواهر أخرى في تحصيل المعرفة تشترك معه في أنها تتحصل لا من طريق الكسب والاستدلال كما تتوافر على بعض عناصره كالإلقاء الخفي وإلهام المعرفة دون واسطة، وتمثّل ذلك في أهم ظاهرتين بعده تتمثلان في التحديث والاستمداد من النبي عن طريق الرؤيا الصادقة المتكررة بنفس المضمون.

8 -تمثلت عند الفلاسفة أقوى محاولات التفسير لكيفية وحقيقة الوحي من خلال ما تدركه النفس وقواها من اتصال بالجواهر المجردة والعقل الفعال واللوح المحفوظ باختلاف الآراء في ذلك.

وقد أسبغوا على المتخيلة أهمية كبرى في عملية الاتصال مع تلك الجواهر والعقول فكانت قوتها تجعل الوحي صريحا أثناء اليقظة، وكان ضعفها يجعل الوحي محتاجا إلى التعبير والتأويل ويقع أثناء المنام على شكل رؤيا يحدد مدى صدقها وحاجتها للتعبير مدى تصرف المتخيلة بها. وهذا التعليق والربط للوحي بالمتخيلة بوصفها قوة من قوى النفس الإنسانية يمثل إشارة واضحة إلى ربط للوحي بالنفس الإنسانية ذاتها بما يشير إلى أنه ظاهرة تقع ضمن قدراتها وتنبثق عنها وبالتالي فإن هذا الرأي يمثل التقاء مع ما كان للصوفية من تصور وفهم للوحي على أنه انعكاس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت