فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 276

إذ أن من أنواع الوحي الإشارة ببعض الجوارح. فإن معنى وحي زكريا - عليه السلام - لقومه عنه هو: رمز أو اعتبار أو كتابة «1» .

ولا يبتعد المفسرون في بيانهم لهذا الوحي عن هذا الإطار إذ أنهم حين يأتون إلى آية وحي زكريا - عليه السلام - يستحضرون غالبا المعاني اللغوية للوحي وخصوصا معنى الإيماء والإشارة أو الكتابة كما قال بعضهم،

فالإمام علي بن أبي طالب - عليه السلام - حين يعدد أنواع الوحي الوارد في الكتاب الكريم يعدّ منها وحي الإشارة «2» ، ويستشهد عليه بالآية، قوله تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا [مريم: 11] .

وموضع البحث الذي تناوله المفسرون من الآية هو ما وصفه القرآن نفسه من طبيعة الوحي الذي ينسب إلى زكريا - عليه السلام - والذي تمثل في (الآية) التي طلبها زكريا - عليه السلام - دلالة على استجابته تعالى لدعائه فكانت (الآية) امتناعه عن الكلام ثلاثة أيام، وبما أنه لا بد له عليه السلام من أن يفسر لقومه ما حدث له تمهيدا لظهور أثر استجابة الدعاء بولادة يحيى عليه السلام وأنه لا بد لكلامه من بديل فقد بيّن تعالى له بأن يكون كلامه رمزا قال تعالى: قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [مريم: 10] ، أما تفسير هذا الرمز فهو ما كان زكريا - عليه السلام - قد فهمه منه وما ألهمه اللَّه من تطبيق له فجاء ذلك تطبيقا متكاملا للأمر بعدم الكلام، فكان طريق تفاهمه مع قومه هو الوحي وما يتضمنه هنا من أصول لغوية أسسها الخفاء وامتناع ظهور الصوت، وتوافر الإعلام والتفهيم للمقصود إلقاؤه إليهم، فالآية الكريمة فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا .. بيّنت أن طريقة كلامه - عليه السلام - بالرمز كانت: أنه كلمهم وحيا.

ومن هذا المدخل تناول المفسرون الآية للبحث في طريقة هذا الوحي، لأن الوحي له مصاديق متعددة يشكل وحي زكريا - عليه السلام - لقومه أحدها.

وقد كان اختيار أغلب المفسرين والعلماء لطريقة وحيه عليه السلام أنها كانت الإشارة والإيماء، ومن هؤلاء جمع من أعلام علماء الأمة كابن عباس، والضحاك،

(1) المفردات (ص 515) .

(2) انظر المرتضى: رسالة في المحكم والمتشابه (ص 21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت