وقد استحسن الفخر الرازي هذا الوجه وفضّله على غيره من الوجوه فقال: إنه أولى وسبب ذلك (أن الإشارة بالشفتين يمكن وقوعها بحيث تكون حركات الشفتين وقت الرمز مطابقة لحركاتهما عند النطق فيكون الاستدلال بتلك الحركات على المعاني الذهنية أسهل) «1» .
ولكن هذا التعليل بسهولة تطابق حركات الشفتين مع حركات النطق يمكن توافر ما هو أسهل منه لو اخترنا معنى الإشارة بأن زكريا - عليه السلام - أشار إليهم بيديه إذ يكفي أن يرفع يديه بالدعاء إلى السماء مشيرا إليهم ليفعلوا مثل ذلك فيفهم أن المراد: سبحوا اللَّه وادعوه، والملاحظ أن كل الوجوه السابقة في تفسير معنى وحي زكريا - عليه السلام - لقومه بكلامه رمزا إنما تدور في إطار المعاني اللغوية للوحي وكأنّ في ذلك إشارة إلى حقيقة أن ما يكون مصدره غير اللَّه من الوحي لا يتعدّى إطار المعاني اللغوية لا يتجاوزها إلى ما تحمله المعاني الاصطلاحية للوحي المختص بما يلقيه تعالى إلى أنبيائه.
وهذا ما أكده ابن دريد فقال: (الوحي من اللَّه - عز وجل ثناؤه - نبأ وإلهام، ومن الناس إشارة) «2» .
ب - وحي شياطين الإنس:
قال تعالى: وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا .. [الأنعام: 112] . فالآية تقسم من يوحي من الشياطين على قسمين:
1 -شياطين الجن وقد سبق بحث ذلك في المبحث الثاني من هذا الفصل.
2 -شياطين الإنس.
فالآية تشير إلى أن من الإنس من يوحي بعضهم إلى بعض وهم شياطين الإنس.
وفي الحديث عن أبي ذر أنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يا أبا ذر هل تعوّذت من شياطين الإنس والجن؟ قال: قلت يا رسول اللَّه وهل للإنس من شياطين؟ قال صلّى اللَّه عليه وسلّم:
«نعم هم شرّ من شياطين الجن» «3» .
(1) مفاتيح الغيب (8/ 45) .
(2) جمهرة اللغة (1/ 171) .
(3) القرطبي: جامع أحكام القرآن (7/ 68) .