وهناك التفاضل باعتبار عموم الرسالة والشريعة ففضل محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم بالرسالة إلى عموم البشر، قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا .. [الأعراف: 158] ، وأرسل أغلب الأنبياء - عليهم السلام - إلى أممهم خاصة أو شعوبهم أو مدنهم، قال تعالى: ولَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا .. [النمل: 45] ، كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء: 123 - 125] ، ومنها التفاضل من حيث الإتيان بالتشريع، فمن الرسل من يأتي بشريعة جديدة متكاملة تنسخ شريعة من قبله أو تكملها كموسى وعيسى ومحمد صلّى اللَّه عليه وسلّم الذي جاء بخاتمة الشرائع وأكملها، ومنهم من لا يأتي بشريعة بل يتبع شريعة من سبقه أو كان في عصره، وهذا كسائر الأنبياء - عليهم السلام - مثل لوط الذي كان في عهد إبراهيم عليه السلام. وهكذا يفترقون من حيث هذا الاعتبار فإن منهم من شرع، ومنهم من لم يشرع «1» ، ومنها أيضا التفاضل من حيث المعجزات والكرامات المصاحبة للاصطفاء والنبوة، فمنهم من انفرد بمعجزة واحدة على قدر ما يستوعبه عصره من وجوه خرق القوانين والعادات الطبيعية تكون وقتية محددة باستمرار نبوته كموسى وعيسى عليهما السلام، ومنهم من كانت معجزته مستمرة وباقية حتى بعد نبوته كمعجزة نبيّنا صلّى اللَّه عليه وسلّم الخالدة إلى يوم القيامة وهي القرآن الكريم.
من مجمل هذه الوجوه في التفاضل وغيرها نستشف أن البشر المصطفين للهداية مرتبتان هما النبوة والرسالة، إلّا أنّ ما يجب إيضاحه أن هذه النبوة في ذاتها مرتبة واحدة مستوية، وخصلة مشتركة في جميع هؤلاء البشر المخصوصين. فالنبوة هي فضيلة الجميع، وأنهم إنما يتفاوتون في (زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينة) «2» ، وهذا ما دل عليه ظاهر آية التفضيل نفسها فقد جاء الخصوص فيها بقوله تعالى: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وقال تعالى: ورَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ. فالآية نبهت أولا إلى أنهم مشتركون جميعا في مرتبة الإرسال بالنبوة ثم خص بعضهم بالتكليم والرفع درجات:
فإذا كان موسى كلم فإن الأنبياء جميعا كلموا أيضا إلا أن موسى خص من بينهم بالكلام من وراء حجاب، وكلم الآخرون بالوحي إلهاما أو بواسطة الرسول الملكي.
(1) الطبرسي: مجمع البيان (3/ 358) .
(2) القرطبي (3/ 262) .