وعن أبي عبيد: وحيت إليه بالشيء وحيا، وأوحيت وهو أن يكلمه بكلام يفهمه عنه ويخفى على غيره، وكذلك لحنت له لحنا «1» .
وإلى هذا المعنى أشار السيد المرتضى علي بن الحسين (ت 436 ه/ 1045 م) حيث قال: الوحي في اللغة: إنما هو ما جرى مجرى الإيماء والتنبيه على شيء من غير أن يفصح به «2» .
وميّز ابن دريد في هذا المعنى بين ما كان من اللَّه عز وجل فهو إلهام، وما كان من الناس فهو إيماء «3» .
وقال ابن فارس أبو الحسين أحمد (ت 395 ه/ 1005 م) الوحي: الرسالة فكلّ ما ألقي إلى الغير فهو وحي «4» .
وقال ابن منظور: وحى إليه: ألهمه، والوحي أيضا الرجل إذا كلم عبده بلا رسول «5» .
ففيما مرّ نجد أن معاني الإعلام والخفاء والإرسال كانت قاسما مشتركا بين المعاني المتعددة للوحي. وقال أبو زيد الأنصاري من أمثالهم: وحي في حجر، يضرب مثلا لمن يكتم السر، وقد يضرب مثلا للشيء الظاهر البيّن «6» يقال: هو كالوحي في الحجر إذا نقر فيه نقرا. ومنه قول زهير بن أبي سلمى (ت نحو 627 م) :
كالوحي في الحجر المسيل المخلد
ويشير قدامة بن جعفر أبو الفرج البغدادي (ت 337 ه نحو 948 م) إلى معنى الإعلام في خفاء، فالوحي كما يراه ما كان الإبانة عما في النفس بغير المشافهة على أيّ معنى وقعت إيماء أو رسالة أو إشارة أو مكاتبة «7» .
(1) ابن سيده: علي بن إسماعيل النحوي الأندلسي (ت 458 ه/ 1066 م) المخصص (4/ 3) المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر.
(2) الأمالي: غرر الفوائد ودرر القلائد (2/ 205) تحقيق أبو الفضل إبراهيم، دار الكتاب العربي - بيروت ط 2 - (1387 ه/ 1967 م) .
(3) جمهرة اللغة (2/ 198) .
(4) مقاييس اللغة (6/ 93) تحقيق محمد عبد السلام هارون، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة ط 1 (1371 ه/ 1951 م) .
(5) لسان العرب (15/ 380) .
(6) الأزهري: تهذيب اللغة (5/ 298) .
(7) نقد النثر: (ص 63) دار الكتب العلمية - بيروت (1982) .