وتبوَّأت الخطابة مكانة عالية في التشريع الإِسلامي حتى غدت مَعلمًا بارزًا من معالم المجتمع الإِسلامي؛ إذ شرعت خطبة الجمعة والعيدين والنوازل، حتى أنَّ المنبر المعدَّ للخطابة من معالم المسجد النبوي الشريف؛ إذ خطب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.وفي صحيح البخاري باب الخطبة على المنبر، وساق تحته حديث جابر - رضي الله عنه - قال: «كان جذع يقوم إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار - جمع عشراء وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر - حتى نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده عليه» [1] .
وقد جعل الله عزَّ وجل للخطابة في يوم الجمعة ضمانة أن يستمع إليها وتعي، فمن ذلك أن جعل الساعة المرجوَّة يوم الجمعة في الوقت الذي تلقى فيه الخطبة وذلك مدعاة إلى الخشوع والإِنصات وحضور القلب، فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال لي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «هي ما بين أن يجلس الإِمام إلى أن تقضي الصلاة» [2] وتحديد الساعة بهذا التوقيت هو ما جزم به كثير من الأئمة الأعلام رحمهم الله كالنووي وغيره [3] .
ومن الخطباء الذين كانت خُطَبهم فاصلة في قضايا الأمة
(1) انظر قصة صنع المنبر عند الشيخين: البخاري 1/ 310/875 و 876 الجمعة ومسلم 1/ 386/544 المساجد.
(2) أخرجه مسلم 2/ 584/853 المساجد.
(3) شرح النووي على مسلم 6/ 141.