باق، ولا يخفى على المنصف // 6 / ب // أن إختلاف المصالح بحسب الأزمنة أمر ضروري لا ينكره إلاّ معاند، وتلخيصه: أنه بعد تسليم لزوم رعاية المصالح، أن لكل وقت حكمًا مناسبًا له يشرعه الله فيه، ثم يجيء وقت آخر يكون حكم آخر راجحًا فيه فيشرعه الله فيه [1] ، كما أن الطبيب يجعل للمريض دواءً مناسبًا لحاله في وقت معين، ثم بعد مدة يغيّره إلى دواء آخر أصلح له، فيكون الدواء الأول مضرًا له في ذلك الوقت، وليس نسخًا للدواء الأول ـ الذي عينه في وقته ـ، بل إنما هو نسخ للدواء الأول في الوقت المتأخر [2] . وليس مثله كمثل رجل يبني دارًا على حسب ما تصوره من جعل المكان الفلاني موضع [3] النوم، والمكان الفلاني موضع الأمتعة، والمكان الفلاني موضع الخدمة، وهكذا، فلما تمّ الدار عنّ له [4] فساد ذلك الرأي، (وهدمها) [5] . فغيّر الأمكنة (وبيّتها) [6] بوجه آخر // 7 / أ //، فإن ذلك نسخ للبناء الأول قطعًا، بل هو بعينه مثل: أن يبني رجل لأتباعه بقصد أن يأمرهم بأن يقعدوا في هذا البيت بالربيع، وفي ذلك البيت
بالصيف، وهكذا، لكون كل من (ذاك) [7] البيوت ملائمًا للوقت الذي عينه من غير إعلام
(1) إن النسخ يتفق مع تغيير الحكم لتغيير المصلحة في أمرين، ويختلف عنه في أمور: فالأمران المتفقان
... بينهما هما:
أ. إن فيهما ترك الحكم الأول إلى الحكم الثاني وتغيير الحكم.
ب. إن كلًا منهما جاء فيه رعاية لمصالح العباد.
والأمور المختلفة بينهما هي:
أ. المصلحة في النسخ من جانب الله وحده، ليس تقديره لغيره، أمّا رعاية المصلحة في الثاني فتكون
... لله تعالى وتكون أيضًا للمجتهد.
ب. إن النسخ يقع في العبادات والمعاملات والمقدرات وغيرها، أمّا تغيير الحكم بتغيير المصلحة
... فيكون في المعاملات وما ألحق بها مما هو مبني على مصالح العباد وحاجاتهم ويتغير بتغيرالزمان
... والمكان.
ج. إن التعارض بين الدليلين لابد منه في النسخ بحيث يتعذر الجمع أو الترجيح، أمّا تغيير الحكم
... بتغيير المصلحة فلا يكون بمقابل نص أو اجماع، بل يجب ملاءمته لمقصود الشارع في
... تشريعه.
د. النّسخ لا يكون إلاّ في زمن الوحي، أمّا تغييرالحكم فقد يكون في زمن الوحي وبعده، وسمي ما
... كان في زمن الوحي سنة.
هـ. إن النسخ يملكه الشارع وحده، فما نسخه الشارع لا يجوز الرجوع إليه إلاّ إذا أرجعنا هو إليه.
و. النسخ قد يكون ببدل وقد يكون بلا بدل وبأثقل وبأخف، أما تغيير الحكم فلا بد من البدل.
ز. إن الحكم المنسوخ لا يعود أبدًا بخلاف الحكم المبني على المصلحة، فإنه ينتفي بانتفاء المصلحة
... التي بني عليها ويعود بعودتها.
تنظر التفصيلات في: النسخ بين الإثبات والنفي: 1/ 150 ـ وما بعدها.
(2) ينظر: روح البيان: 1/ 201، وإظهار الحق: 1/ 303 ـ 304.
(3) تكررت (موضع) في: (أ) مرتين.
(4) عنّ الشيء: ظهر أمامك، وعنّ عن الشيء: إعترض وعرض عنه.
ينظر: لسان العرب المحيط: 2/ 908 مادة (عنن) ، ومحيط المحيط: 639.
(5) وفي (ب) : (وهدمه) .
(6) في (أ) : (وبينها) ، وهو تصحيف.
(7) كذا في الأصل، والصحيح: (تلك) لأنه يعود على البيوت.