منها نزل في نسخها قوله تعالى: {أَأَشفَقْتُمْ ... الآية} [1] . وهذا الكلام منه (كرّمَ اللهُ وجهَهُ) يدل على أنّه ما كان إلاّ ساعة من نهار [2] .
وذهب بعضهم إلى: أن الأمر للندب، فلا نسخ حينئذٍ [3] . والصواب عندي: هو القول الأول [4] .
(1) أخرج الهروي عن مجاهد عن علي قوله:"إنّ في كتاب الله (- عز وجل -) لآية ما عمل بها أحد"
... قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) تصدّقت
... بدرهم حتى نفد، ثم نسخت". وما ذكر المسائل العشرة، وقد أخرج نحوه الطبري والحاكم ـ وصححّه على شرطهما ـ والواحدي. ينظر: الناسخ والمنسوخ: الهروي، 259، وجامع البيان: 28/ 15، والمستدرك: 2/ 524 برقم (3794) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، والناسخ والمنسوخ: إبن سلامة، 179، والإيضاح: 368، وأسباب النزول: 276."
أمّا كلام علي بتمامه مع المسائل العشرة فقد ذكره النسفي، وأشار إليه إبن كثير كما في رواية إبن
... أبي نجيح عن مجاهد من غير ذكر المسائل تفصيلًا. ينظر: مدارك التنزيل: 4/ 242، وتفسيرالقرآن العظيم: 4/ 534. وذهب بعض العلماء إلى أن الآية ما عمل بها لأحد لا علي ولا غيره، بدليل قوله: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} ، والآثار الواردة عن علي ضعيفة. ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 17/ 303، وحاشية شيخ زادة: 4/ 371.
(2) بل صرّح به علي (كرم الله وجهه) كما أخرج عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد وإبن المنذر وإبن
... أبي حاتم وإبن مردويه، حيث قال:"ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وما كانت إلاّ ساعة ـ"
... يعني آية النجوى ـ". ينظر: الدرالمنثور: 28/ 83 ـ 84."
(3) والدليل عليه قوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ} المشعر بالندب كما قاله البيضاوي. ولكن
... يرد على هذا القول إتصاف الواجب بذلك أيضًا كما يتّصف به المندوب، ثم قوله: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا
... فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ دليل على وجوبها، إذ الغفران مبني على ما كان واجبًا وترك من غير العذر
... كما صرّح به شيخ زادة. ينظر للتفصيل: أنوارالتنزيل: 5/ 312، وحاشية شيخ زادة: 4/ 371، وروح المعاني: 28/ 44، وتفسيرآيات الأحكام: السايس، 4/ 124.
(4) أي: إن الأمر للوجوب، ثم نسخ.
وخلاصة القول في الآية:
إن جمهور العلماء والمفسرين قالوا بنسخ الآية إمّا بالآية التي تليها، وهي قوله
...: {أَأَشْفَقْتُمْ ... } أو بالزكاة المفروضة ـ كما أخرجه الطبري وغيره عن إبن عباس (- رضي الله عنه -) ـ.
في حين مال إلى عدم النسخ في الآية: أبو مسلم الأصفهاني وإبن العربي والفخرالرازي، ومن
... المعاصرين: الخضري والجبري والزلمي وغيرهم.
ويمكننا حصر أقوالهم في النقاط التالية:
1.إن المقصود بالصدقة لا يلزم أن تكون مالية زائدة عمّا يجب، بل يكفيهم إقامة الصلاة وإيتاء
... الزكاة وهذا صدقة.
ونوقش هذا: بأن معنى الصدقة في الحقيقة العرفية: البذل المالي وحده، ثم يأباه قوله: فَإِذْ
... لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ.
2.إن التكليف بتقديم الصدقة مقدر بغاية مخصوصة، وهي تمييزالمنافقين من غيرهم، فالتكليف
... متعلق بتحقيق هذه المصلحة، وعند الإنتهاء من الغاية المخصوصة ينتهي الحكم والتكليف. ولا
... يُعَدّ نسخًا. وبه قال أبو مسلم وحسّنه الفخرالرازي.
ونوقش هذا أيضًا: بأن هذه الغاية لم تتحقق، إذ لم يتصدّق أحد، أو تصدق علي فقط حسب
... ما ورد في الروايات، فليس من المعقول عدم تحقق هذه الغاية التي قصدها الله في تشريعه، ثم
... لا يتصور عدم قيام كبار الصحابة بها مع ما كانوا عليه من الإيمان.
3.إن الحكم معلّل، والعلة هي الإشفاق، فمتى زال الإشفاق عادت الصدقة.
4.إن الآية متعلقة بما سبقتها من الآيات في النهي عن التناجي وبيان أدب المجلس، وكان بعض
... أصحابه (- صلى الله عليه وسلم -) يناجونه، وكان (- صلى الله عليه وسلم -) يكرهه ولا يخبرهم صراحة بذلك، فغاية الآية أن تحملهم على
... ترك تلك العادة، وعليه يكون معنى الآية: إن ترك النجوى معه (- صلى الله عليه وسلم -) كان تدبيرًا منه تعالى، وإذ
... لم تفعلوا النجوى فنعم ما إخترتم وتاب الله عليكم فيما فعلتموه من نجواه (- صلى الله عليه وسلم -) من قبل، وإستمروا
على واجباتكم من الصلاة والزكاة. فلا منافاة حتى يقال بالنسخ.
ويمكن أن يناقش هذا بما قاله السخاوي من: أن الصدقة شرّعت قبل المناجاة تطهيرًا لهم
... قبلها، كما جعل طهارة الأعضاء قبل المناجاة الأخرى في الصلاة، ويدل عليه قوله تعالى:
... {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ} ، ولوكان الأمر بالصدقة ااتخفيف عنه (- صلى الله عليه وسلم -) لم يؤمر به الأغنياء دون
... الفقراء، لأن الفقراء أكثر، ومسائلهم أعظم، قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
5.إن الآية محكمة، وهذا الأدب الذي ألزمنا به الله تعالى مع الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) واجب إجتماعي على
... المؤمنين مع أئمة الإسلام وزعماء الإصلاح، حرصًا على خيرالدين والجماعة الإسلامية، وفي
... المناجاة إيذاء لهم وأخذ وقت الناس لنفسه. كما قاله الجبري والزلمي.
6.إن هذا لا يُعَدُّ نسخًا، بل من باب التيسير والتسهيل، والرخصة والتوسيع.
تنظر التفصيلات في: جامع البيان: 28/ 15 ـ وما بعدها، والناسخ والمنسوخ: إبن العربي، 211،
... والتفسيرالكبير: 29/ 273، والطود الراسخ: 2/ 148 ـ 149، والنسخ في الشريعة الإسلامية:
... 315، ودراسات الإحكام والنسخ: 183، والنسخ في القرآن الكريم: د. محمد صالح، 44،
... ومباحث قرآنية: و: (84) ، والتبيان: 372 ـ وما بعدها، والناسخ والمنسوخ: السبحانى،
... شريط مسجل.