، ثم نسخ أصل وجوبها على الأمة بالصّلوات الخمس [1] ، وبقي الوجوب على النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بقوله تعالى: {وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [2] .
وذكر بعض المحققين في حاشية البيضاوي: أنه قال إبن عباس (- رضي الله عنه -) : قيام الليل كان فريضة // 43 / ب // على النبي (- عليه السلام -) لقوله تعالى: {قُمْ اللَّيْلَ} [3] ، فظاهر الأمر أنه للوجوب، ثم نسخ [4] . وإختلفوا، فقيل: أنه كان فرضًا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثم نسخ بها [5] . وقيل: إن قيام الليل كان فريضة عليه (- عليه السلام -) وعلى المؤمنين ـ مع كونهم مخيّرين بين المقادير المذكورة ـ، فكان الرجل لا يدري في أي مقادير الّليل صلّى ـ إلىآخر ما تقدم ـ، فنسخت فريضته بقوله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ
الْقُرْآنِ. . . [6] ، وكان بين إيجاب قيام الّليل وبين نسخه سنة كاملة، وقيل: سنتان. ـ إنتهى ـ [7] .
وصحّح النووي أنه (- عليه السلام -) نسخ عنه التهجد كما نسخ عن أمته [8] . ونقله الشيخ أبو حامد عن النص، وهو الأصحّ [9] . والصحيح: ما ذكره القسطلاني في شرح صحيح البخاري [10] .
(1) وهو المروي عن عائشة ومقاتل وإبن كيسان والشافعي، وعزاه البغوي إلى أهل التفسير.
ينظر: معالم التنزيل: 5/ 172، والجامع لأحكام القرآن: 19/ 36.
(2) (79 / الإسراء 17) . ينظر: معالم التنزيل: 3/ 149، ولباب التأويل: 4/ 321، وتفسيرالقرآن العظيم: 4/ 715 ـ 716، وزاد المعاد: 1/ 238 ـ 239.
فإن المراد بـ: (النافلة) : الزيادة في الدرجات وعلو المراتب. وهذا قدر مشترك بين الفرض
... والمستحب. ينظر: لسان العرب المحيط: 3/ 695 مادة (نفل) .
(3) (2 / المزمل 73) .
(4) ينظر: التفسيرالكبير: 30/ 172، وحاشية شيخ زادة: 4/ 467.
(5) ينظر: معالم التنزيل: 5/ 172، والإيضاح: 384، والتفسيرالكبير: 30/ 172، وتفسير
... الجلالين: 4/ 433 ـ 434. وتعقب الجمل على هذا القول بأن فيه نظر، إذ أن الصلوات الخمس لا يتنافى وجوب قيام الليل، وشرط النسخ المخالفة والمعارضة بين الناسخ والمنسوخ. ينظر: الفتوحات الإلهية: 4/ 434.
ولكن يرد على هذا التعقيب: أن قيام الليل الآن ليس واجبًا، فقد وردت في روايات صحيحة أن
... الصلوات الخمس نفت فريضة غيرها، ووجوب قيام الليل قبل الصلوات الخمس فيه الخلاف.
(6) (20 / المزمل 73) .
(7) وهو قول إبن عباس. حاشية شيخ زادة: 4/ 467، وينظر: الجامع لأحكام القرآن: 19/ 36.
(8) يقول النووي:"وأما النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فإختلفوا في نسخه في حقه، والأصح عندنا نسخه". شرح النووي على مسلم:6/ 23.
(9) لم نقف على هذا القول في مظان المراجع.
(10) إذ قال القسطلاني بإيجاب صلاة الليل عليه (- صلى الله عليه وسلم -،) ، حيث قال:"... لأنه كان يجب عليه التهجد،"
... لا من جهة إنشاء فرض آخر زائد على الخمسة، ولا يعارضه قوله في ليلة الأسراء: مَا يُبَدَّلُ
... الْقَوْلُ لَدَيَّ، فإِن ذاك المراد به في التنقيص كما دل عليه السياق". إرشاد الساري: 2/ 421."
وخلاصة القول في الآية:
فإنّ قيام الليل قد فرض أولًا على جميع الأمّة، ثم نسخ بعد ذلك ـ مع إختلاف
... العلماء في قدرها كما سبق ـ فأصبح تطوعًا بعد أن كان فريضة. وهذا هو الثابت في الصحيح عن
... عائشة. أمّا بالنسبة له (- صلى الله عليه وسلم -) فبقي فرضه عليه بآية الإسراء المدنية: وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً
... لَكَ (79 /الإسراء 17) ، فليس هناك دليل على نسخه في حقه (- صلى الله عليه وسلم -) ، ثم صح عنه (- صلى الله عليه وسلم -) عدم
... تركه له حضرًا وسفرًا، بل كان يقضيه إذا فاته كما أخبرتنا بذلك عائشة (رضي الله عنها) ، وهذا مما
... يدلنا على المقصود.
ووجه الإحكام في الآية ـ كما قاله بعضهم ـ إنّ الأوامر موجهة إليه (- صلى الله عليه وسلم -) فقط، وقد قام بقيامه طائفة من
... الذين معه، والتخفيف قاصرعليهم والحكم باق في حقه (- صلى الله عليه وسلم -) ، والدليل على عدم إيجابه على الجميع
... قوله: {وطائفة من الذين معك} .
ويمكن مناقشة ذلك بما صح عن عائشة (رضي الله عنها) من أنه (- صلى الله عليه وسلم -) قام هو وأصحابه، وكان القيام
... فرضًا عليهم، ولا يستدل بالآية على عدم الفرض على الجميع، فقد كان منهم من يقوم في بيته ومنهم
... من يقوم معه، وكان هذا الفرض من حق الجميع كما ذكره الآلوسي.
ينظر لتفصيل هذا: معالم التنزيل: 3/ 149، والجامع لأحكام القرآن: 19/ 34، وصحيح مسلم
...: 6/ 23 برقم (746) ، وروح المعاني: 29/ 193، وتفسير آيات الأحكام:
... السايس، 4/ 178 ـ 179، والنسخ في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد، 2/ 816، والنسخ في
... الشريعة الإسلامية: 327 ـ وما بعدها، ونظرات في القرآن: 250 ـ 251، ودراسات الإحكام
... والنسخ: 184 ـ وما بعدها، والنسخ في القرآن الكريم: د. محمد صالح، 43، ومباحث قرآنية:
... و: (84 / أ ـ 84 / ب) .