وهو إصطلاح المتأخرين ـ، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، ... فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير دليل اللفظ، بل بأمر خارج عنه ... ." [1] . ويقول الشاطبي (ت 790 هـ) :"... إن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخًا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخًا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الإصطلاح المتأخر إقتضى أن الأمر المتقدم غيرمراد في التكليف، وإنما المراد ماجيء به آخرًا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به ... ." [2] . وضرب لبيان ذلك أمثلة."
لكن كثيرًا من العلماء لم ينتبهوا لذلك، فحملوا كلام المتقدمين على إصطلاح المتأخرين، فوقعوا في الإكثار من القول بالنسخ ومواضعه، يقول السخاوي (ت 643 هـ) :"وإنما وقع الغلط للمتأخرين من قبل عدم المعرفة بمراد المتقدمين، فإنهم كانوا يطلقون على الأحوال المنتقلة النسخ، والمتأخرون يريدون بالنسخ نزول النص الثاني رافعًا لحكم النص الأول" [3] .
وذهب بعض الدارسين إلى أنه كان لأعداء الإسلام ولا سيّما اليهود دور كبير في إثارة الشبهات حول القرآن، فنشأوا ونشروا فكرة وجود المنسوخ في القرآن، وخصوصًا تولّى هذا الأمر (أبو عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني) [4] ، ولكنهم يجانبهم الصواب بأن النسخ كان سابقًا على هذا الإدّعاء، فقد أراد القدماء أحيانًا من النسخ المفهوم الذي عليه الأصوليون والمتأخرون، كما أشار إليه ابن قيم (ت 751 هـ) والشاطبي (ت 790 هـ) فيما سبق. ويمكننا أن نعدّ أول إثارة لموضوع النسخ بمفهومه العام من قبل اليهود طعنًا في الدين عند تحويل القبلة.
وقد ذكر العلماء لمعرفة النسخ طريقين، أحدهما متفق عليه، وثانيهما مختلف فيه [5] . ضبطًا منهم لقواعد النسخ وبيان أولوية الإحكام في الآيات القرآنية. يقول إبن حزم (ت 456 هـ) :"لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة هذا منسوخ إلاّ بيقين ..." [6] . ويقول الشاطبي (ت 790 هـ) :"إنّ الأحكام إذا ثبتت على المكلف فإدّعاء النسخ فيها لا يكون إلاّ بأمر محقق، لأن ثبوتها على المكلف أولًا محقق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلاّ بمعلوم محقق ..." [7] .
فالمتفق عليها من الطرق هي:
1 ـ أن يكون بصريح النص أو قرر النسخ بإجماع الأمة.
2 ـ أن يكون التأريخ معلومًا، ويتأخر الناسخ عن المنسوخ.
(1) إعلام الموقعين: 1/ 35.
(2) الموافقات: 3/ 81.
(3) الطود الراسخ: 2/ 179.
(4) كما زعمه عبد المتعال محمد الجبري، وتابعه أمين بيرداود خوشناو. ينظر: علوم القرآن: أمين خوشناو،138 ـ 139.
(5) ينظر: النسخ عند الأصوليين: 161 ـ وما بعدها.
(6) الإحكام في أصول الأحكام: 4/ 83 ـ 84.
(7) الموافقات: 3/ 79.