يقول إبن حزم (ت 456 هـ) :"فإذا إجتمعت الأمة كلهم ـ بلا خلاف من واحد منهم ـ على نسخ آية واحدة أو حديث، فقد صحّ النسخ حينئذ، فإن إختلفوا نظرنا: فإن وجدنا الأمرين لا يمكن إستعمالهما معًا ووجدنا أحدهما كان بعد الآخر بلا شك، أو وجدنا نصًا جليًا على أنه منسوخ، أو وجدنا نصًا في ذلك من نهي بعد أمر، أو أمر بعد نهي، أو نقل من مرتبة الى مرتبة، فقد أيقنّا بالنسخ ..." [1] .
وقول الصحابي مختلف في صلاحيته لمعرفة الناسخ والمنسوخ إذا لم يرو الدليل الناسخ أو لم يعين تأريخ النسخ، فذهبت الحنفية إلى القبول والعمل به، في حين ذهبت الشافعية والمالكية إلى عدم القبول [2] .
يقول السخاوي (ت 643 هـ) :"ولا يثبت النسخ بإجتهاد مجتهد من صحابي ولا غيره، ولا بدّ في ذلك من النقل" [3] .
والطرق المختلف فيها، وهي التي عدّها أكثر العلماء طرقًا غير معتبرة كثيرة لا داعي إلى ذكرها لعدم إعتبارها [4] .
ونظرًا لتوفر شروط النسخ وطرق معرفته وتوسع مدلول النسخ في عهد السلف، تباينت آراء العلماء المثبتين للنسخ في تحديد الآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن الكريم، وذهبوا إلى اتجاهين مختلفين، وهما:
01 إتجاه الموسعين في مفهوم النسخ، فنظروا إليه من الناحية اللغوية وأطلقوا اللفظ على كل ما ظاهره التعارض وأخذ به بعض المفسرين وبعض من مؤلفي كتب الناسخ والمنسوخ، فبلغ عندهم عدد المواضع التي وقعت فيها النسخ أكثر من مئتي موضع [5] ، يقول السيوطي في شأنهم:
قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد ... أدخلوا فيه آيًا ليس تنحصر [6]
ويرجع منشأ هذا الإكثار من دعاوى النسخ إلى أمور، منها: خلط النسخ بالتخصيص أوالبيان أو المفسر، كما حصل توهم وجود التعارض بين النصين مع أنه لا تعارض في الواقع، وغيرها من الأسباب التي طال كلام العلماء فيها [7] .
02 والإتجاه الثاني إستخدم كلمة النسخ كمصطلح علمي بعيد عن التوسع والإفراط فيه، وإبعاد ما ليس منه، ويمكن أن نسميه إتجاه الأصوليين الذين أبعدوا بهذا المفهوم كثيرًا من الآيات التي عدّت من النسخ إلى غير النسخ في مجال دراسات أصول الفقه، فحدّدوا بذلك آيات النسخ أيّما تحديد، حتى حصروها في عشرين آية [8] ، وأقلّ منها أحيانًا [9] ، ويعدّ
(1) الإحكام في أصول الأحكام: 4/ 84.
(2) تنظرالتفصيلات في: المحصول: ق 3/ 1/566، ونهاية السول: 2/ 193، والنسخ عند الأصوليين: 162 ـ وما بعدها.
(3) الطود الراسخ: 2/ 179.
(4) تنظر التفصيلات في: النسخ عند الأصوليين: 161 ـ وما بعدها.
(5) ينظر: الفوز الكبير: 22، والنسخ في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد، 1/ 401، ودراسات
الإحكام والنسخ: 188 ـ 189، والنسخ في القرآن الكريم: د. محمد صالح، 39.
(6) الإتقان: 1/ 658.
(7) ينظر: مناهل العرفان:2/ 273 ـ 274، ودراسات الإحكام والنسخ: 188 ـ وما بعدها والتبيان:
... 47 ـ وما بعدها.
(8) ينظر: الإتقان: 1/ 653 ـ وما بعدها.
(9) أقرّ الدكتور صبحي الصالح عشرة مواضع منها، في حين يرى الزرقاني ومحمد حمزة أنها تسعة
... فقط، وأقرّ الدهلوي والدكتور مصطفى زيد خمسًا منها، وقرّر الدكتور محمد صالح ثلاثًا منها، ولم
... يصمد في ميدان مناقشة الخوئي ـ معتمدًا على أدلته التي إرتضاه ـ إلاّ آية واحدة وهي آية النجوى.
تنظر التفصيلات في: الفوز الكبير: 22 ـ وما بعدها، والبيان: 287 ـ وما بعدها، ومناهل
... العرفان: 2/ 274 ـ وما بعدها، والنسخ في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد، 2/ 848، ومباحث
... في علوم القرآن: د. صبحي الصالح، 274، ودراسات الإحكام والنسخ: 187 ـ 188، والنسخ في
... القرآن الكريم: د. محمد صالح، 40 ـ 41، والقرآن ماذا تعرف عنه: 70.