فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 255

ب 0 تكون الآية منسوخة في زمن، وغير منسوخة في زمن آخر، وحسب مقتضيات العصر والدهر، فإذا تكررت حالة الآية وعادت ورجع زمنها، ترجع إحكامها التي كانت عليها.

والذي يبدو للباحث من خلال هذه الدراسة وبعد موازنة آراء الفريقين هو: أن النسخ لا مانع منه في العقل، فالله تعالى فعّال لما يريد يحكم بمشيئته ولا يسأل عما يفعل، وأمّا الوقوع فقد قال به الجمهور، وإثباتهم للوقوع وفق شروط معينة وفي آيات محدودة، وضبطوا للنسخ شروطه وضوابطه، وهذا النسخ بتوفر شروطه وطرقه لا يتنافى مع ثبوت النص القرآني، فالنصّ القرآني يحمل مزايا وصورًا إعجازية من نواحٍ شتّى، منها: الإيجاز مع البلاغة، والبيان مع الفصاحة، وكونه خارجًا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر، فلايكل قارؤه، ولا يملّ سامعه، وإن تكررت عليه تلاوته، ومن أوجه إعجازه الإخبار عن الأمور الماضية، وما فيه من علم الغيب والحكم على الأمور بالقطع، وكونه جامعًا لعلوم يطول شرحها ويشقّ حصرها [1] ، ... وغيرها من صور وجوه الإعجاز، فلو رفعت صورة من هذه الصور الإعجازية وهو الحكم وبإرادته تعالى مع توافر الشروط والطرق فلا منافاة مع الحكمة، ولاينقص ذلك من مزايا القرآن الكريم ومكانته.

ولا يخفى أن في كل آيات النسخ رأيًا خلافيًا عند القدامى والمحدثين، ولكل منها وجهُ تأويلٍ لإحكامها [2] . ويوجّه ما روي عن السلف في النسخ بأنهم قصدوا بالمصطلح ماهو أعم ممّا عليه المتأخرون، فلا يمكن حمل كلامهم على المفاد الذي قصده المتأخرون من غير توفر الشروط، لأن الأخصّ لا يثبت بالأعمّ، على حسب القواعد الأصولية المقرّرة [3] ، إلاّ إذا توفّرت دواعي ذلك وثبت المقصود يقينًا أن الأعم قصد به الأخصّ، ومع هذا فلا ينكر أن السلف قد أرادوا بالنسخ الرفع والإزالة كما عليه المتأخرون، وأشار إليه إبن قيم (ت 751 هـ) والشاطبي (ت 790 هـ) [4] .

وتبعًا لهذا التوجيه لا يبقى وجه لمن عدّ نفي النسخ غير مستساغ، ونعت النافين له بما لايستحقّونه، كالذي قاله إبن هلال السعيدي النحوي (ت 520 هـ) :"ولو راجع من أنكر النسخ في القرآن ورفع حكم بحكم ـ وقد إعترض سنته وخاصم عقله رأيه ـ لعلم أن لقائل هذا القول غير مؤمن بل هو كافر جاحد لما جاء به الرسول (صلى الله عليه وسلم) يلزمه الرجوع عن هذا المذهب أو القتل" [5] .

كما يجب على الدارسين والباحثين التصدي لمن جعل شرعية النسخ منفذًا لهدم الشريعة من أمثال أحمد أمين الذي قال:"إذا كانت أحكام تبدلت في أقلّ من ربع قرن، فإن حكمة التبديل أظهر بعد مرور أربعة عشر قرنًا" [6] .

ولا يستساغ أيضًا ما ذهب إليه عبد الكريم الخطيب وناصر السبحاني من تحويل الآيات الناسخة منسوخة في زمن، وكذلك العكس في زمن آخر، لأن ذلك من قبيل الحكم المتغير

(1) تنظر التفصيلات في: البرهان: 2/ 104 ـ وما بعدها، والإتقان: 2/ 241 ـ وما بعدها.

(2) وقد جمع الدكتور محمد صالح الكابوري وجوه النسخ والإحكام للآيات التي كثرت دعاوى النسخ عليها في كتابه: النسخ في القرآن الكريم: 43 ـ وما بعدها.

(3) ينظر: التبيان: 38.

(4) ينظر: إعلام الموقعين: 1/ 35، والموافقات: 3/ 81.

(5) نقله عنه عبد المتعال محمد الجبري في: النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه: 354.

(6) ينظر: نظرات في القرآن: 244، والنسخ في القرآن الكريم: د. محمد صالح، 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت