فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 255

ب. أمّا إشكال الجمع في عهد أبي بكر (- رضي الله عنه -) بسبب الوهم الحاصل بإثبات الإنساء، فهو غير دقيق ولا مصيب، إذ لو لم يكن للمؤمن حجة يستأنس بها في سلامة القرآن الذي بين أيدينا سوى قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [1] لكانت كافية.

وفضلًا عن هذا فإن الإنساء قال بوقوعه العلماء، وليس في وقوعه شبهة على القرآن

وداعيًا الى القول بالتحريف ـ زيادة أو نقصًا ـ [2] ، وقد عدّ المكي (ت 437 هـ) والرازي (ت 606 هـ) نسخ التلاوة والرسم من قبيل الإنساء، بأن ينسيهم الله إيّاه ويرفعه عن أوهامهم [3] .

يقول الطبري في قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ} [4] :"والقول الذي هو أولى بالصّواب عندي، قول من قال: معنى ذلك: فلا تنسى إلاّ أن نشاء نحن أن ننسيكه بنسخه ورفعه، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك أظهر معانيه" [5] .

ويقول المكي في قوله تعالى: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [6] :"فهذا إنما يراد به إذهاب مالا يجوز نسخه من الأخبار وغيرها، ومالا يجوز نسخه لو شاء الله لأذهب حفظه كلّه من القلوب بغير عوض، ومنه ما روي مما رفع من سورة الأحزاب وغيرها" [7] .

ويقول الدكتور محمد الصغير في دفع هذا الإشكال:"إن نسخ الأحكام شيء والتحريف شيء آخر، فالنسخ لا يكون تحريفًا، وإنما هو إحلال لحكم مكان حكم، ... وأمّا إدّعاء وقوعه ــ أي: التحريف ـ في زمن الشيخين فلم يعضده دليل نصّي أو عقلي، وحرص الشيخين على النصّ القرآني أشهر من أن يذكر، فالدعوى باطلة ..." [8] .

وقد سرد السيوطي (ت 911 هـ) الروايات التي تثبت وقوع الإنساء [9] ، ويمكن أن يقرب تقرير الإنساء بما يقع في آخر الزمان، إذ من أشراطها ـ كما ثبت بأحاديث صحيحة ـ رفع ما في الصدور من القرآن والعلم [10] .

أمّا ما يخص جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر (- رضي الله عنه -) فإن دستوره إمتاز بمزايا من التثبت البالغ والحذر، والتحريات الدقيقة الشاملة، وإظفاره بإجماع الأمة وتواترهم، وشموله للأحرف السبعة، وإقتصاره فيه على ما لم تنسخ تلاوته، مما يستسيغ المجال للطعن فيه [11] .

وما ورد من الآثار في زيادة آية أو آيات أو نقصانها من بعض سور القرآن فهي: إمّا باطلة لا أصل لها، أو يقصد بها نسخ التلاوة دون الحكم، وزال عن الصحابة فرض حفظه،

(1) (9 / الحجر 15) .

(2) تنظر التفصيلات في: الإيضاح: 59، ومجمع البيان: 1/ 340.

(3) ينظر: الإيضاح: 59، والإتقان: 1/ 665.

(4) (12 ـ 13 / الأعلى 78) .

(5) جامع البيان: 30/ 154. وتنظر التفصيلات في إمكان وقوع الإنساء في: جامع البيان: 1/ 478 ـ 479.

(6) (86 / الإسراء 17) .

(7) الإيضاح: 55.

(8) تأريخ القرآن: 156 ـ وما بعدها.

(9) ينظر: الإتقان: 1/ 661 ـ وما بعدها.

(10) فقد روى ابن ماجة في سننه: 2/ 1344 برقم (4049) ، والحاكم في المستدرك: 4/ 549

... برقم (8538) وصححه على شرط مسلم عن حذيفة (- رضي الله عنه -) عنه (- صلى الله عليه وسلم -) : (( ... ويسري على

... كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ... )) . وأخرج تحوه الطبراني عن ابن مسعود في الكبير: 9/ 141 برقم (8700) . وينظر للتفصيل: مجموع فتاوى إبن تيمية:3/ 198 ـ 199،وأشراط الساعة: 134 ـ 135.

(11) تنظر التفاصيل في: مناهل العرفان: 1/ 252 ـ وما بعدها، وجمع القرآن: 233 ـ وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت