ولذلك لم يثبتوه ولم يقرأوه، لذا لم ينكر على عمر (- رضي الله عنه -) وهو في الملأ، قوله في آية الرجم:"لولا أن يقال زاد ابن الخطاب في كتاب الله لأثبتها" [1] .
ج. أمّا ما يتعلق بإشكال البداء، أو الجهل، أو تحصيل الحاصل، أو إجتماع الضدين، أو التعارض بين نصوص القرآن، فمنشأها التغيير الواقع في كل منهما، ولكن النسخ مباين لكل من هذه المفاهيم، إذ يستلزم في البداء ـ مثلًا ـ سبق الجهل بالشيء، وهذا محال، وتعالى الله عن ذلك، ثم أن النسخ ليس تغييرًا في علمه تعالى، بل التغيير واقع في الحوادث، لأن الله تعالى يعلم تمام العلم أن الحكم المنسوخ مؤقّت وله أجله [2] .
ثم إن النسخ لا يثبت إلاّ عند التعارض بين النصين، وقد يسأل سائل: هل وقع التعارض بين نصوص الكتاب مع أنه تعالى قال: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [3] ؟.
ويمكننا الإجابة عن ذلك: بأن التعارض الحقيقي ـ أي التناقض ـ غير وارد في
القرآن كله، فللتعارض الحقيقي شروطه الخاصة ذكرها العلماء [4] ، لكن التعارض الظاهري أو الصوري هو مبنى النسخ، ويترتب وقوع النسخ على هذا التعارض، ففي التعارض الحقيقي لابد من إتحاد الزمن في النصين، أما النسخ فيلزم فيه إختلاف الزمن بين النّصّين، ويشترط في النسخ أن يكون الناسخ متأخرًا، وهذا الإختلاف الزمني يمنع أن يسمّى النسخ تعارضًا حقيقيًا [5] . فالآية الكريمة تنفي التعارض الحقيقي والتناقض بين نصوص القرآن [6] .
(1) تنظر التفصيلات في: الإنتصار لصحة نقل القرآن: 2/ 190 ـ وما بعدها، ونكت الإنتصار:
... 103 ـ وما بعدها، ومناهل العرفان: 1/ 252 ـ وما بعدها، وجمع القرآن: 233 ـ وما بعدها.
(2) وقد فصّل العلماء القول في هذه المسألة وبيّنوا التباين بين النسخ وغيرها، ينظر لمزيد التفاصيل:
... الجامع لأحكام القرآن: 2/ 63 ـ وما بعدها، والنسخ في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد، 1/ 20
... ـ وما بعدها، وشبهات حول القرآن: 155 ـ وما بعدها، والمستشرقون والقرآن الكريم: 321 ـ وما بعدها.
(3) (82 / النساء 4) .
(4) فشروط التعارض ثلاثة، وهي:
أ / التماثل في القطعية والظنية بين النصين (أي: التساوي في الثبوت) .
ب / التساوي في قوة الدلالة على الحكم.
ج / إتفاقهما في الحكم، مع إتحاد الوقت والمحل والجهة.
ينظر: ميزان الأصول: 2/ 963 ـ وما بعدها، وإرشاد الفحول: 2/ 258، وتنظر شروط التناقض
... في علم المنطق في: حاشية ملاّ عبد الله على التهذيب: 126 ـ وما بعدها، وخلاصة المنطق: 64 ـ وما بعدها.
(5) تنظر التفصيلات في: النسخ في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد، 1/ 167 ـ وما بعدها.
(6) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 5/ 290، ومناهل العرفان: 2/ 225، وعلم أصول الفقه
... الإسلامي: خلاّف، 230، والنسخ في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد، 1/ 168 ـ 169،
... والتعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية: 1/ 53.