وفضلًا عن ذلك فإنه لا يرى لإثبات وقوع النسخ الإستدلال بآية: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ... } [1] لأن تلك الآية ليست إلاّ دليل الجواز، لأنها قضية شرطية متصلة موجبة، وصدقها غير متوقف على صدق الطرفين [2] .
وذكر أن منكري النسخ ثلاث فرق، وهم: اليهود والمنافقون ومشركو العرب [3] . وعليه فلا يرى أن أحدًا من المسلمين ينكر النسخ.
أمّا ما يتعلق بأدلة الفرق الثلاث، فليس للمنافقين ولا لمشركي العرب دليل سوى طعنهم في الدين، وذكر من اليهود فرقتين من منكري النسخ، فمنهم من أنكروه عقلًا وسمعًا، ومنهم من أنكروه سمعًا وجوّزوه عقلًا، ولخص أدلة الفريقين بما ورد في التوراة من الشبه الدالة على بقاء شريعة موسى وديمومتها، وإسلتزام القول به للبداء [4] .
وأجاب عن الدليلين بما ملخصه: أنه الواردة في التوراة محمولة على طول بقاء الشريعة، لا الدوام إلى الأبد، وأن أفعاله لا تعلل بالأغراض، ولو أوجبنا الغرض في أفعاله فإنه تعالى علم عند شرعه الحكم الأول أن ينسخها في وقت سيجيء، ولورود النسخ في التوراة نفسها في مواضع عدة منها [5] .
وهو مع جمهور الأصوليين في أقسام النسخ الثلاثة، إلاّ إننا نجد شخصيته في الاعتراض على الشواهد لعدم موافقتها لتعريف منسوخ التلاوة، أو منسوخ الحكم، فمنسوخ التلاوة عنده هو: ما يعرف لفظه ولكن رفع التعبد بتلاوته. ومنسوخ الحكم هو: ما يعرف حكمه ولكن رفع التعبد به، فما لاتوافق التعريف من الشواهد فهي من قبيل الإنساء، لا النسخ [6] . ولم يقف البحث في مظان المراجع والمصادر على هذا التعريف لمنسوخ التلاوة والحكم [7] .
3 ـ يرى إبن الخياط جواز وقوع نسخ الكتاب بالكتاب ووقوعه على الأصح، وكذا نسخ السنة بالكتاب، ونسخ الكتاب بالسنة المتواترة عند المختار، وبالسنة المشهورة عند أبي يوسف، بل بالآحاد عند بعض العلماء، وهو لا يقطع القول به نفيًا أو إثباتًا [8] .
وهو يرى لزوم تأويل قول الشافعي في منعه نسخ الكتاب إلاّ بالكتاب، والسنة إلاّ بالسنة [9] .
وقد ذهب في ذلك مذهب السبكي والزركشي وأبي زكريا الأنصاري وغيرهم من لزوم تأويل قول الشافعي [10] ، فقوله لا يباين قول الجمهور بالجواز في النوعين، وغاية ما
(1) (106 / البقرة 2) .
(2) ينظر: نفسه: و: (4 / ب) .
(3) ينظر: التبيان: و: (4 / ب) .
(4) ينظر: التبيان: و: (6 / أ) ـ وما بعدها.
(5) ينظر: نفسه: و: (6 / أ) ـ وما بعدها.
(6) ينظر: نفسه: و: (9 / ب) .
(7) ينظر: ص من هذه الرسالة.
(8) ينظر: التبيان: و: (10 / أ) .
(9) ينظر: نفسه: و: (10 / أ) .
(10) ينظر: الإبهاج: 247 ـ وما بعدها، والبحر المحيط: 4/ 110 ـ وما بعدها، وغاية الوصول: 187، وإرشاد الفحول: 2/ 69 ـ 70.