فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 232

أخرجنهم عن بلدهم، وأنا أرى: أن لا تعجل بنقض عهدهم ومنابذتهم حَتَّى تتجه الحجة عليهم، فإن اللَّه يقول «فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ» 9: 4 فإن هم لم يستقيموا بعد ذلك ويدعوا غشهم ورأيت أن العذر ثابت منهم أوقعت بهم، فكان ذلك بعد الأعذار فرزقت النصر، وكان بهم الذل والخزي إن شاء اللَّه تعالى. [1] .

وعن عون؛ قال: لما بعث إِلَى ابن سيرين، والْحَسَن وأولئك قدموا على ابن هبيرة قال: فَقَالَ: مُحَمَّد لما دخل عليه، السلام عليكم، وكان ابن هبيرة متكئًا فجلس، وكان معه أَبُو الزناد، فَقَالَ لَهُ كيف من تركت ? قال: تركت الظلم فيهم فاشيًا، فهم به، فجعل أَبُو الزناد يقول له: إنه شيخ، إنه، إنه، قال: فجاء لإياس بْن معاوية بجائزة، فَقَالَ: لا حاجة لي فيها؛ فقال: أترد جائزة الأمير ? قال: ولم يعطيني ? أيتصدق علي ? فقد أغناني الله، أو يعطيني على علمي أجرًا، فلا آخذ عليه أجرًا؛ قَالَ: الأنصاري وكانت جائزته عشرة آلاف. [2]

وقال الهيثم بن خارجة: حدثنا إسماعيل بْن عياش قَالَ: ظهر بإفريقية جور، فلما قام السفاح قدم عَبْد الرحمن بْن زياد بْن أنعمُ عَلَى أَبِي جعفر فشكا إِلَيْهِ العمال ببلده، فأقام ببابه شهرًا ثُمَّ دخل عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أقدمك؟ قَالَ: ظهر الجور ببلدنا فجئت لأعلمك، فإذا الجور يخرج من دارك، فغضب أَبُو جعفر وهَمّ بِهِ، ثُمَّ أمر بإخراجه.

وعن ابْن إدريس عَن عَبْد الرحمن بْن زياد، قَالَ: أرسل إليّ أَبُو جعفر فقدمت عَلَيْهِ فدخلت، والربيع قائم عَلَى رأسه فاستدناني، فَقَالَ لِي: يَا عَبْد الرحمن كيف مَا مررت بِهِ من العمال؟ قُلْتُ: يَا أمير المؤمنين رأيت أعمالا سيئة، وظلمًا فاشيًا فظننته لبُعْد البلاد منك، فجعلت كلما دنوت منك كَانَ الأمر أعظم، قَالَ: فنكّس رأسه طويلا ثُمَّ قَالَ: كيف لِي بالرجال؟ قُلْتُ: أَفَلَيس عمر بْن عَبْد العزيز كَانَ يَقُولُ: إن الوالي بمنزلة السوق يجلب إليها مَا ينفق فيها فإن كَانَ بَرًّا أتوه ببَرِّهم، وإن كَانَ فاجرًا أتوه بفجورهم، قَالَ: فأطرق طويلا فَقَالَ لِي الربيع، وأومأ إليَّ أن اخرج، فخرجت وما عدت إِلَيْهِ. [3]

مما يؤكد مدى الحرية السياسية في نقد السلطة في هذه الفترة مع الاستبداد السياسي؟! فلم تكن السلطة تتعرض إلا لمن يخرج عليها بالسيف دون أصحاب الرأي والكلمة.

عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «مَنْ شَهِدَ شَهَادَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَاخْتَتَنَ، فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ الْجِزْيَةَ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَفَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ قَدْ تَتَابَعَتْ عَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى بِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يَنْظُرُوا: فِي أَوَّلِ السَّنَةِ كَانَ ذَلِكَ وَلَا فِي آخِرِهَا، فَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ أَهْدَرَ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى هَذِهِ الْآثَارِ فِي زَمَانِ بَنِي أُمَيَّةَ، لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْهُمْ، أَوْ عَنْ بَعْضُهُمِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ وَقَدْ أَسْلَمُوا، يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ

(1) - فتوح البلدان (ص: 156)

(2) - أخبار القضاة (1/ 352) حسن

(3) - تاريخ الإسلام ت بشار (4/ 116)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت