عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مَا كَانَ إِلَّا خَادِمٌ وَلَقْحَةٌ وَمِحْلَبٌ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ يُحْمَلُ إِلَيْهِ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ" [1] ."
وقد كان أبو بكر يساوي الناس في العطاء من بيت المال، فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «قَسَّمَ أَبِي أَوَّلَ عَامٍ الْفَيْءَ فَأَعْطَى الْحُرَّ عَشَرَةَ، وَالْمَمْلُوكَ عَشَرَةَ، وَالْمَرْأَةَ عَشَرَةَ، وَأَمَتَهَا عَشَرَةَ، ثُمَّ قَسَّمَ فِي الْعَامِ الثَّانِي فَأَعْطَاهُمْ عِشْرِينَ عِشْرِينَ» [2] .
كما أن الصحابة - رضي الله عنهم - م هم الذين فرضوا للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، بعد أن استشارهم فيما يحل له من بيت المال، فأجمعوا على أن يأخذ قوت يومه وقدر حاجته!
وعَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَحْلِفُ عَلَى أَيْمَانٍ ثَلاثٍ، يَقُولُ: وَاللهِ مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَالِ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا أَنَا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ، وَاللهِ مَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ إِلَّا عَبْدًا مَمْلُوكًا، وَلَكِنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَقَسْمِنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَالرَّجُلُ وَبَلاؤُهُ فِي الْإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَقَدَمُهُ فِي الْإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَغَنَاؤُهُ فِي الْإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ، وَوَاللهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ، لَيَاتِيَنَّ الرَّاعِيَ بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ" [3] "
وقد استشار الصحابة في تدوين الدواوين لما كثر عليه المال، وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ بْنِ نُقَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَدْوِينِ الدِّيوَانَ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: تُقَسِّمُ كُلَّ سَنَةٍ مَا اجْتَمَعَ إِلَيْكَ مِنْ مَالٍ وَلا تُمْسِكُ مِنْهُ شَيْئًا. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: أَرَى مَالا كَثِيرًا يَسَعُ النَّاسَ وَإِنْ لَمْ يُحْصَوْا حَتَّى تَعْرِفَ مَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ. خَشِيتُ أَنْ يَنْتَشِرَ الأَمْرُ. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ جِئْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُ مُلُوكَهَا قَدْ دَوَّنُوا دِيوَانًا وَجَنَّدُوا جُنُودًا فَدَوِّنْ دِيوَانًا وَجَنِّدْ جُنُودًا. فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ فَدَعَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ وَكَانُوا مِنْ نُسَّابِ قُرَيْشٍ فَقَالَ: اكْتُبُوا النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ. فَكَتَبُوا فَبَدَءُوا بِبَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ أَتْبَعُوهُمْ أَبَا بَكْرٍ وَقَوْمَهُ. ثُمَّ عُمَرَ وَقَوْمَهُ عَلَى الْخِلافَةِ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ قَالَ: وَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّهُ هَكَذَا وَلَكِنِ ابْدَءُوا بِقَرَابَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ حَتَّى تَضَعُوا عُمَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ. [4]
وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ قَالَا: قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِدَةٌ فَلْيَاتِ فَلْيَاخُذْهُ، قَالَ: فَجَاءَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: قَدْ وَعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «إِذَا جَاءَنِي مِنَ الْبَحْرَيْنِ مَالٌ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِلْءَ كَفَّيْهِ» قَالَ: خُذْ بِيَدَيْكَ، فَأَخَذَ بِيَدَيْهِ فَوَجَدَهُ خَمْسَمِائَةٍ،
(1) - الطبقات الكبرى ط دار صادر (3/ 192) صحيح
(2) - الأموال لابن زنجويه (2/ 538) (880) حسن
(3) - المهذب في فقه السياسة الشرعية (ص: 932) ومسند أحمد ط الرسالة (1/ 389) (292) حسن