ظهور الطوائف العقائدية على أساس دعوى الأحقية لهذا البيت أو ذاك؛ وتحولت القضية من قضية سياسية شرعية مصلحية إلى قضية عقائدية (أيديولوجية) ؟!
لقد كانت مثل هذه الدعاوى هي المقدمات الضرورية لإضفاء الشرعية على الحكم الوراثي، فما دام موضوع الإمامة والسلطة من باب الحقوق الخاصة، فهو صالح للتوريث كباقي الحقوق التي يمكن توريثها؟!
وهذه نتيجة حتمية لمثل هذه الدعاوى، فقد كان يزيد بن معاوية أول خليفة يصل عن طريق الوراثة؛ وإن لم يكن هذا المبدأ قد ظهر جليا صريحا في الدولة الأموية كما ظهر في الدولة العباسية والعلوية.
وقد صار الواقع يفرض مفاهيمه الجديدة على الفقه الإسلامي، وبدأ التأويل يأخذ طريقه لنصوص الخطاب السياسي؛ فإذا جاز لأبي بكر أن يعهد للأمر من بعده لمن يراه فجائز قياسا على ذلك العهد للأمر للأبناء؟! دون مراعاة للفرق بين عهد أبي بكر لعمر، وعهد من بعده لأبنائهم وإخوانهم؟!
س: ما الفرق بين العهدين؟!
ج: إن عهد أبي بكر لعمر من باب الترشيح بعد الاستشارة للأمة، والرضا دون إكراه أو إلزام؛ كما لم تكن بينهما قرابة أو رحم تثير الشك والشبهة في الغاية من هذا الترشيح، كما أن الظروف المحيطة بالدولة الإسلامية الجديدة التي خرجت للتو من الحروب الداخلية حروب الردة وبدأت حروبها مع الإمبراطوريتين فارس والروم هي التي اضطرت أبا بكر إلى مثل هذا الإجراء، خاصة وقد تذكر ما حصل في السقيفة من جدال قد لا يحسم بعد وفاته؛ كل ذلك دفعه إلى مثل هذا التصرف الذي أثبتت الأيام والأحداث صحته ونجاحه الباهر، وأثبتت قوة نظر أبي بكر، وأهّلية عمر للإمامة وقيادة الدولة الجديدة.
لقد أدرك الصحابة خطورة هذا التراجع الخطير في الخطاب السياسي بعد عهد الخلفاء الراشدين وأنكروه، فقد أنكره عبد الله بن عمر، وهمّ أن يرد على معاوية كلمته (من أحق بهذا الأمر منا؟!) قال ابن عمر: (فَخَشِيتُ أَنْ أَقُولَ كَلِمَةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، وَتَسْفِكُ الدَّمَ، وَيُحْمَلُ عَنِّي غَيْرُ ذَلِكَ) .
ولما أراد معاوية أن يبايع الناس ابنه يزيد سنة (56 هـ) ويعهد بالأمر إليه من بعده؛ اعترض عليه كبار الصحابة وفقهاؤهم في تلك الفترة، وهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن أبي بكر، والحسين بن علي.
وقد كان أشدهم عليه عبد الرحمن بن أبي بكر؛ فَقَطَعَ عَلَيْهِ كَلامَهُ، وَقَالَ: إِنَّكَ وَاللَّهِ لَوْدِدْتُ أنا وكّلناك في أمر ابنك إلى الله، وَإِنَّا وَاللَّهِ لا نَفْعَلُ، وَاللَّهِ لَتَرُدُنَّ هَذَا الأَمْرَ شُورَى فِي الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لنُعِيدُنَّهَا عَلَيْكَ جذعة، ثُمَّ وَثَبَ وَمَضَى [1] .
(1) - تاريخ الإسلام ت تدمري (4/ 148) صحيح