وَقَالَ سالم بن عَبْد اللَّهِ: لَمَّا أرادوا أن يبايعوا ليزيد، قَامَ مروان فَقَالَ: سَنَة أَبِي بكر الراشدة المهديّة، فقام عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبي بكر، فَقَالَ: ليس بسُنّة أبي بكر، قد ترك أبو بكر الأهل والعشيرة، وعدل إِلَى رَجُلٌ من بني عديّ، أن رأي أَنَّهُ لذلك أَهْلًا، ولكنها هِرَقْلية. [1]
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - وَلَمْ يُجَرَّبْ عَلَيْهِ كَذْبَةٌ قَطُّ - ذَكَرَ عَنْهُ حِكَايَةً ; أَنَّهُ لَمَّا جَاءَتْ بَيْعَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِمَرْوَانَ: جَعَلْتُمُوهَا وَاللَّهِ هِرَقْلِيَّةً وَكِسْرَوِيَّةً. يَعْنِي جَعَلْتُمْ مُلْكَ الْمَلِكِ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ وَلَدِهِ. .." [2] ."
ولأَبِي يَعلَى وابن أَبِي حاتِم مِن طَرِيق إِسماعِيل بن أَبِي خالِد"حَدَّثَنِي عَبد الله المَدَنِيّ قالَ: كُنت فِي المَسجِد حِين خَطَبَ مَروان فَقالَ: إِنَّ الله قَد أَرَى أَمِيرَ المُؤمِنِينَ رَأيًا حَسَنًا فِي يَزِيد، وإِن يَستَخلِفهُ فَقَد استَخلَفَ أَبُو بَكر وعُمَر، فَقالَ عَبد الرَّحمَن: هِرَقلِيَّة إِنَّ أَبا بَكر والله ما جَعَلَها فِي أَحَد مِن ولَده، ولا فِي أَهل بَيته، وما جَعَلَها مُعاوِيَة إِلاَّ كَرامَة لِولَدِهِ. [3] "
والَّذِي فِي رِوايَة الإِسماعِيلِيّ: فَقالَ عَبد الرَّحمَن ما هِيَ إِلاَّ هِرَقلِيَّة. ولَهُ مِن طَرِيق شُعبَة عَن مُحَمَّد بن زِياد: فَقالَ مَروان سُنَّة أَبِي بَكر وعُمَر. فَقالَ عَبد الرَّحمَن: سُنَّة هِرَقل وقَيصَر. [4]
ولابنِ المُنذِر مِن هَذا الوجه: أَجِئتُم بِها هِرَقلِيَّة تُبايِعُونَ لأَبنائِكُم؟ [5] .
وفي رواية: (فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: كذبت والله يا مروان وكذب معاوية معك! لا يكون ذلك لا تحدثوا علينا سنة الروم، كلما مات هرقل قام مكانه هرقل) [6] .
ثم لما حج معاوية قدم إلى المدينة وذكر ابنه يزيد، ثم اجتمع مع قادة المعارضة: ابن عمر، وابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي بكر، والحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعلل اختياره ليزيد بأنه يخشى أن يدع الأمة بلا إمام بعده.
فَتكلم مُعَاوِيَة فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ قد علمْتُم سيرتي فِيكُم وَصلي لأرحامكم وصفحي عَنكم وحملي لما يكون مِنْكُم وَيزِيد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ أخوكم وَابْن عمكم وَأحسن النَّاس فِيكُم رَأيا وَإِنَّمَا أردْت أَن تقدموه باسم الْخلَافَة وتكونون أَنْتُم الَّذين تنزعون وتؤمرون وتجبون وتقسمون لَا يدْخل عَلَيْكُم فِي شَيْء من ذَلِكَ [7] .
فقد أرادها معاوية ملكية شورية ملكية دستورية الخلافة ليزيد، والحل والعقد لهؤلاء الذين هم رءوس الناس وسادتهم، لا ينقض يزيد لهم أمر ولا يستبد بالأمر من دونهم.
(1) - تاريخ الإسلام ت بشار (2/ 458)
(2) - البداية والنهاية ط هجر (11/ 330) صحيح
(3) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (8/ 577)
(4) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (8/ 577)
(5) - المصدر السابق
(6) - تاريخ ابن خلدون (3/ 20)
(7) - تاريخ خليفة بن خياط (ص: 216)