أما بعد يَا بْن عُمَر فَإنَّك قد كنت تُحَدِّثنِي أَنَّك لَا تحب أَن تبيت لَيْلَة سَوْدَاء لَيْسَ عَلَيْك أَمِير وَإِنِّي أحذرك أَن تشق عَصا الْمُسلمين وَأَن تسْعَى فِي فَسَاد ذَات بَينهم فَلَمَّا سكت تكلم بن عُمَر فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَإِنَّهُ قد كَانَت قبلك خلفاء لَهُم أَبنَاء لَيْسَ ابْنك بِخَير من أبنائهم فَلم يرَوا فِي أبنائهم مَا رَأَيْت أَنْت فِي ابْنك وَلَكنهُمْ اخْتَارُوا للْمُسلمين حَيْثُ علمُوا الْخِيَار وَإنَّك تحذرني أَن أشق عَصا الْمُسلمين وَأَن أسعى فِي فَسَاد ذَات بَينهم وَلم أكن لأَفْعَل إِنَّمَا أَنا رجل من الْمُسلمين فَإِذا اجْتَمعُوا عَلَى أَمر فَإِنَّمَا أَنا رجل مِنْهُم فَقَالَ يَرْحَمك اللَّه فَخرج ابْن عُمَر [1] .
وقد دخل عبدالله بن الزبير على معاوية فقال له: (فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنْ كُنْتَ قَدْ مَلِلْتَ الإِمَارَةَ فَاعْتَزِلْهَا، وَهَلُمَّ ابْنَكَ فَلنُبَايِعْهُ، أَرَأَيْتَ إِذَا بَايَعْنَا ابْنَكَ مَعَكَ لأَيُّكُمَا نَسْمَعُ وَنُطِيعُ! لا نجمع الْبَيْعَةُ لَكُمَا أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ.) ! [2]
لقد كان الأمر واضحا جليا لهؤلاء الصحابة الفقهاء الذين رفضوا هذا الخطاب السياسي الجديد القائم على التأويل، ورفضوا قياس بيعة معاوية ليزيد على عهد أبي بكر لعمر وأدركوا خطورة هذا الخطاب؛ وتمسكوا بمبادئ الخطاب السياسي الراشدي، وهو أن الأمر للأمة تختار من ترتضيه لقيادتها، وأن الأمر شورى بين المسلمين؛ وأن ما جاء به بنو أمية إنما هو سنة هرقل وقيصر، لا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، الذين كانت سيرتهم هي النموذج التطبيقي لمبادئ الخطاب السياسي الشرعي المترل.
قال ابن كثير: (وَلَمَّا أَخُذَتِ الْبَيْعَةُ لِيَزِيدَ فِي حَيَاةِ مُعَاوِيَةَ، كَانَ الْحُسَيْنُ مِمَّنِ امْتَنَعَ مِنْ مُبَايَعَتِهِ هُوَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ) [3] .
لقد أدرك هؤلاء الصحابة الفقهاء خطورة الموقف، وعدم شرعية أخذ البيعة لولي العهد في حياة الإمام، وأن البيعة لا تكون إلا بعد وفاة الإمام أو اعتزاله؛ أما في حال حياته فذلك ما لا يمكن أن يكون.
لقد بايع الناس ليزيد في حياة أبيه الذي كان يرى أن جمع الناس على إمام واحد ووحدة كلمة الأمة وعدم عودتها للاقتتال والفتنة أهم مما سوى ذلك، وَلِهَذَا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيمَا خَاطَبَهُ بِهِ: إِنِّي خِفْتُ أَنْ أَذَرَ الرَّعِيَّةَ مِنْ بَعْدِي كَالْغَنَمِ الْمَطِيرَةِ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إِذَا بَايَعَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ بَايَعْتُهُ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ [4] ..
وفاته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أحرص على الأمة وأشفق؛ ومع ذلك تركهم ليختاروا من بعده من يرتضونه، وأن في تركهم صلاح أمرهم؛ وقد أثبتت الحوادث والأيام أن ما كان يخشاه هو
(1) - تاريخ خليفة بن خياط (ص: 213)
(2) - تاريخ الإسلام ت تدمري (4/ 149)
(3) - البداية والنهاية ط هجر (11/ 477)
(4) - البداية والنهاية ط هجر (11/ 308)