فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 232

ومع هذا كان يرى المقاومة السلمية بالكف عن الخروج على السلطان والكف عن نصرته بالفتن.

فعن سَلْمَ بْنِ أَبِي الذَّيَّالِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْحَسَنَ وَهُوَ يَسْمَعُ وَأُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا تَقُولُ فِي الْفِتَنِ مِثْلِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَابْنِ الْأَشْعَثِ؟ فَقَالَ: «لَا تَكُنْ مَعَ هَؤُلَاءِ، وَلَا مَعَ هَؤُلَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ: وَلَا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ، فَخَطَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: «وَلَا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَبَا سَعِيدٍ، نَعَمْ، وَلَا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ» [1]

وقد وجدت هذه الآراء السياسية الفكرية صداها في نفوس أهل البصرة، وشاعت فيها لوجود الحسن البصري؛ وكان داعية هذه الأفكار، بينما لم تجد لها كبير صدى بين علماء الكوفة الذين ظلوا يرون الخروج على أئمة الجور، كما هو مذهبهم [2] .

لقد كان لهذه الهزيمة آثارها النفسية والفكرية؛ إذ ذهب فيها كثير من علماء المصرين (البصرة والكوفة) ، وعبادهم، على يد الحجاج الطاغية؛ فلم يكن لهذا من تفسير عند كثير من الناس إلا أن هذه عقوبة من الله، وأن هذه إرادة الله التي يجب عدم اعتراضها أو مقاومتها، بل الاستسلام لها والرضا بها، ولم يلتفتوا إلى تخلف أسباب النصر بسبب سوء التخطيط وقدرات الحجاج العسكرية.

لقد ظل الفقهاء يقاومون انحراف السلطة ويتصدون له؛ وقد سجن الحجاج إبراهيم التيمي، فكان يحث من معه على الصبر ويبشرهم بالفرج وزوال الشدة؛ وقد توفي في سجن الحجاج صابرا محتسبا.

وظل سعيد بن جبير متخفيا في مكة هاربا من الحجاج.

وكان إبراهيم النخعي فقيه التابعين في الكوفة يطارد من قبل الحجاج، لمناوأته انحراف السلطة، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَفَى بِهِ عَمًى أَنْ يَعْمَى الرَّجُلُ عَنْ أَمْرِ الْحَجَّاجِ" [3] "

وكان يرى لعن الحجاج وسبه.

وكذلك سجن سعيد بن المسيب بالمدينة وعذب وطيف به يوم رفض البيعة للوليد بن عبدالملك.

وقد سجن خالد بن عبدالله القسري أمير مكة (89 هـ 106 هـ) في عهد بني أمية: فقهاء مكة: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وطلق بن حبيب، وصهيب مولى ابن عامر، وسعيد بن جبير.

(1) - الطبقات الكبرى ط دار صادر (7/ 164) صحيح

يعني الذي ينهى عنه فقط الخروج المسلح، وإلا فما دونه من وسائل التغيير فجائز بلا ريب

(2) - قلت: بسبب كثرة التشيع فيهم والشيعة حاقدون على بني أمية كما هو معلوم

(3) - الطبقات الكبرى ط دار صادر (6/ 279) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت