وأبو الجوزاء هو: أبو عبدالله أوس بن عبد الله الرَّبَعي، المتوفى سنة (83 هـ) ، وهو من الأئمة الثقات، قال عنه الإمام الذهبي في ترجمته (ثقةٌ ثبت) ، والأثر عن أبي الجوزاء أخرجه الإمام البخاري في كتابه (التفسير)
قوله [عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُرج) رواه أهل السنن] .
(السُرج) هي المصابيح. وقوله (والمتخذين عليها المساجد) يشمل الصور الثلاث السابقة التي ذكرت.
قوله [رواه أهل السنن] يعني: أصحاب السنن الأربعة، ووهم بعض الشراح فقال: (لم يخرجه النسائي) ، وهذا غلط، بل أخرجه النسائي في (سننه الصغرى) .
قوله [ (لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائرات القبور) ] فيه دلالة على تحريم زيارة القبور من قبل النساء؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة ومحذور من المحذورات، والصحيح من أقوال أهل العلم: أن زيارة القبور من قِبَل النساء كبيرة من الكبائر، ومحرم من المحرمات؛ لدلالة هذا الحديث. وهذا الحديث اُختُلِف في تصحيحه وتضعيفه ومداره على أبي صالح، وأبو صالح مُخْتَلف في اسمه، والصحيح كما قال ابن القطان وشيخ الإسلام ابن تيمية أنه رجل ثقة، يُؤخذ بحديثه ولا يُرد، والحديث له طرق، لذلك قال الترمذي رحمه الله لما أخرجه (وللحديث طرق) . وهو حسن، وقد حسنه غير واحد، فحسنه البغوي في (شرح السنة) ، وحسنه الإمام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير والسيوطي وأئمة آخرون رحمة الله على الجميع.
وأما ماذكره بعضهم من أدلة تُجوِّز للنساء زيارة المقابر كعموم حديث مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت) أي: أن الأمر هنا (فزوروها) يشمل الذكور والإناث؛ لأن الأصل أن النساء شقائق الرجال، ولكنَّ هذا غير صحيح؛ لأن الأمر العام بعد التخصيص لا يشمل الخاص، فقد ثبت أحاديث عِدِّة كنهي النساء عن زيارة القبور ومنها ما ثبت من حديث أم حبيبة أنها قالت (نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا) وفي قولها نهينا دلالة على أن الزيارة منهي عنها مطلقًا، وأما قولها (ولم يعزم علينا) فيحتمل أمرين: ـ
الأول: أنها نفت وصف النهي المؤكد بالعزيمة، وليس ذلك شرطًا في اقتضاء التحريم بل مجرد النهي كافٍ، قاله ابن القيم رحمه الله.
الثاني: أنها ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا في ظن غيره، قاله ابن تيمية رحمه الله.