باب
لا يستشفع بالله على خلقه
عقد المصنف رحمه الله هذا الباب ليبين أنه لا يجوز أن يستشفع بالله على خلقه، بحيث يكون الله تعالى شافعًا عند مشفوع، ذلك أن مقام المشفوع غالبًا أعظم من مقام الشافع، ولا شك أن جعل الله عز وجل في مقام يكون فيه دُوْنِيَّة يخالف كمال التوحيد الواجب؛ لأنك إذا استشفعت كما في القصة هنا حيث استشفع الرجل بالله عز وجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المشفوع إليه وأصبح الله عز وجل هو الشفيع والشافع له؛ فأصبح مقام الله عز وجل دون مقام المشفوع إليه وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لا يجوز لأن فيه عدم تعظيم لله عز وجل، وهذا يخالف كمال التوحيد الواجب.
[عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال جاء أعرابي .. ] الأعرابي من كان يعيش في البادية.
[إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله نهكت الأنفس] أي ضعفت.
[وجاع العيال] أي الأهل، وهو ما يسمونه الآن بالأسرة، ولم تستعمل اللغة العربية لفظ كلمة (الأسرة) بمعناها الدارج، لذلك فهو لحن في اللغة.
[وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك] وذلك بسبب قحط وجدب وقع على الناس حتى ضعفت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال، أي: الزروع والأنعام.
[فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك] هذا محل الخطأ؛ حيث جعل الله عز وجل في محل الدونية ورفع النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقه، وجعل الله شافعًا والنبي - صلى الله عليه وسلم - مشفوعًا إليه، وهذا لا يجوز على ما سبق.
[وبك على الله] وهذا يجوز، أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - شفيعًا لهؤلاء إلى الله عز وجل، وهو طلب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه ونحو ذلك، وهذا جائز في حياته، وأما بعد موته فلا يجوز على ما سبق في باب الشفاعة.
[فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - سبحان الله سبحان الله] ينزه الله عن من وضعه في محل ليس أهلًا له سبحانه وتعالى، وهو وضعه في محل الشافع وغيره في محل المشفوع إليه.
[فما زال يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه] أي: عرفوا أنه كره ذلك وأنه خشي على قائله.
[ثم قال ويحك] وهذا اللفظ فيه توبيخ.
[أتدري ما الله] وهذا استفهام.
[إن شأن الله أعظم من ذلك] (إن شأن) أي: قَدْر الله عز وجل أعظم من ذلك، أن يكون في محل الشافع وغيره في مقام المشفوع إليه.