باب
ما جاء في الرياء
قوله [باب ماجاء في الرياء] الرياء مأخوذ من رأى يرائي رياءً ومراءاة، يقول الفيروزأبادي رحمه الله في كتابه (بصائر ذوي التمييز في تفسير الكتاب العزيز) ومعناه في اللغة: هو إظهار الشيء للغير ليراه، هذا أصله في اللغة، وأما في الإصطلاح الشرعي فأحسن ما قيل فيه ما قاله ابن حجر في كتابه (فتح الباري) حيث قال: هو إظهار الطاعة للغير ليراه الناس وليحمدوه.
فالرياء حقيقته تتعلق بإظهار لعمل لتراه أعين الآخرين حتى يحمد صاحبه، ومن ثم جاء الذم للرياء، ولذلك يقول شداد بن أوس رضي الله عنه (كنا نعد الرياء الشرك الأصغر) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) وهو صحيح، وهناك فرق بين التسميع والرياء وذلك أن البخاري رحمه الله بوب في صحيحه بابًا فقال (باب الرياء والتسميع) ثم ساق الحديث المشهور (من سمّع سمّع الله به ومن يُرأي يُرأي الله به) فظن بعضهم أن المراءاة هي التسميع وأن التسميع هو المراءاة، وفرق بينهما على الصحيح كما قاله ابن حجر رحمه الله في كتابه (فتح الباري) قال: الرياء يتعلق بإظهار عمل من الطاعات ليرى بالعين والتسميع يتعلق بحاسة السمع وهو أن تظهر عملًا من الطاعات بكلامك كذكر وقراءة قرآن.
ويحكي العز عبد السلام في كتابه (القواعد) قولًا آخر وينتصر له وهو قصره التسميع على صورة واحدة وهي أن يكون الإنسان قد عمل طاعات لا يعلم عنها أحد فيهمس بها في أذن الغير لتعرف طاعته وذلك من باب الإخبار بالطاعات. كأن يقول أقوم ليلًا أو أصوم نهارًا أو أفعل كذا ونحو ذلك من الأعمال، وهذا كله بلا شك داخل في باب التسميع، وهي صورة من الصور التي تدخل في التسميع العام كرفع صوت بذكر أو قراءة قرآن وأنت تقصد بذلك أن يسمعوك ويحمدوك فهذا من التسميع المنهي عنه.
والحاصل أن الرياء يتعلق بحاسة العين والتسميع يتعلق بحاسة السمع فكل طاعة أراد صاحبها منها أن يراه الناس فيحمدوه عليها فلا شك أنها رياء، وكل طاعة أخبر بها الناس أو أراد أن يسمعوه فيحمدوه عليها فلا شك أنها من باب التسميع.
ويخطيء طائفتان في الشرود من الرياء: ـ
الأولى: من يريدون تنقية قلوبهم من كل حظ جبلت عليه بحيث لا تلتفت إلى مخلوق، وهذا ما يفعله أرباب التصوف، والإنسان مجبول على حب الثناء من الناس وسماعه، ولذلك يقول المحاسبي في كتابه (الرعاية) أسباب الرياء ثلاثة حب محمدة أو خوف مذمة أو طلب شيئٍ من حظوظ الدنيا،