باب
من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
قوله [الصبر] (الصبر) لغة: هو حبس النفس، وفي الشرع يأتي على ثلاثة أنواع: ـ
الأول: صبر على الطاعة وهو حبس للنفس على لزوم طاعة الله تعالى، وهو أعلى مراتب الصبر، وبه قطع ابن قيم الجوزية في كتابه (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين) .
وهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء وأرباب التكلم في السلوك وهي: هل الصبر على طاعة الله أولى من الصبر عن المعصية؟
والصحيح الأول، لأن الصبر عن المعصية ماهو إلا لتجريد صواب الطاعة وتنقية القلب في جمعيته على الطاعة وكونه غير متشعب، وهذا المعنى قرره ابن القيم رحمه الله في كتابه السابق من أوجه كثيرة عديدة، وقد رجحه واختاره ابن تيمية رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) وكما في كتابه (تعارض العقل والنقل) .
الثاني: وهو الصبر عن المعصية وهو حبس النفس على البعد عن الذنوب والمعاصي كبيرها وصغيرها.
الثالث: هو الصبر على أقدار الله وهو حبس النفس عن أمور ثلاثة، قالها ابن القيم في كتابه ... (الوابل الصيب) وفي كتابه (مدارج السالكين) وهي: حبس القلب عن التسخط، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن النياحة وضرب الخدود ونحوها. وقد قصر المصنف رحمه الله هذا الباب على النوع الثالث فحسب.
واعلم أن أقدار الله تأتي على معنيين: ـ
الأول: بمعنى الفعل المضاف إلى الله، وهو قدر الله المنسوب إليه المضاف إليه سبحانه وتعالى.
والثاني: بمعنىلمفعول وهو المقدر، والمقصود هنا أصالة هو المقدور والمفعول، لا قدر الله المضاف إليه سبحانه وتعالى الذي هو فعل له. فأما قدر الله فيجب الرضا به، وهو فعل الله بأن قدر عليك مرضًا أو قدر عليك بلاءً أو نحوه، ففعل الله يجب رضا القلب به، وهذا متفق عليه بين أهل السنة والجماعة. وأما المقدور فاختلفوا هل يجب الرضا به أم لا؟ اختار الحسن البصري رحمه الله وهو الذي جزم به ابن تيمية وابن القيم أنه لا يجب الرضا بالمقدور ولكنه يستحب ويندب إليه. وأما الأمور الثلاثة المتبينة في باب الصبر على أقدار الله فقد ذكرت سابقًا.
قوله [وقول الله تعالى {ومن يؤمن بالله يهد قلبه .... } ] الهدايه نوعان، هداية إرشاد وهداية توفيق، والمقصود هنا هداية توفيق، ولا ريب أن القلب إذا وُفق وهُدي هذه الهداية فإن الجوارح ستكون مطواعة له لأنه قد ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (إن في