من دون الله) وهذا فيه إشارة إلى التوحيد المُضَمَّن في شهادة لا إله إلا الله المشتمل على النفي وعلى الإثبات وأكد النفي بقوله - صلى الله عليه وسلم - (وكفر بما يعبد من دون الله) فلا بد مع إثبات العبادة لله وتوحيده سبحانه وتعالى لا بد من الكفر بكل المعبودات من دون الله عز وجل مهما كانت، صغرت في أعين الناس أم كبرت، فإن ذلك كُلَّه يجب أن يُكفر به.
ولذلك عظّم الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذا الحديث أشد التعظيم في كثير من دواوينه التي كتبها، ورسائله التي أرسل بها إلى بعض منسوبي التو حيد أو منسوبي البوادي والقرى التي كان يدعوها إلى التوحيد الحق، وكانوا يتحججون بأنهم يعبدون الله ـ عز وجل ـ ولكنهم قد يَتَقرَّبون إليه بكذا أو كذا؛ أو أنهم لا يكفرون بكثير من المعبودات الموجودة في قراهم أو بلدانهم أو الأماكن التي هم فيها، فقال الإمام: إن هؤلاء غير معصومي الدماء إلا بهذين الأمرين، يعني بإفراد الله عز وجل بالعبادة، وبالكفر بهذه المعبودات المُنكرة حتى يتِمَّ للإنسان العصمة في ماله ودمه، وإلا فهو هدر المال وهدر الدم، كما قال عليه رحمة الله، وقد ذكر هذا الكلام في آخر قوله (وفيه مسائل) في هذا الباب.
قوله [وحسابه على الله عز وجل] أي ليس لك أيها الإنسان الحكم على الناس في كون هذا معصوم الدم والمال إلا الظاهر، وأما التنقيب عن البواطن والنظر إلى أسرار القلوب فهذا كُلُّه يُوَفَّى به صاحبه عند الله عز وجل، والله ـ هو الخبير العليم بعباده سبحانه وتعالى ـ فَيُوفِّى كلًا بعمله القلبي، وعمله الظاهر كذلك يوم القيامة. وهذا في قوله - صلى الله عليه وسلم - (وحسابه على الله عز وجل)
ثم قال المصنف رحمه الله [وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب ... ]
ويجوز أن يقال (وشَرْحُ هذه الترجمة .. ) أي على الابتداء فيجوز: أن تكون جملة فعلية، وأن تكون جملة إسمية على الابتداء كما ذكرنا ذلك. وصحة ذلك واضح من خلال استقراء التراجم والأبواب التي ذكرها المصنف ـ رحمه الله ـ بعد هذا الباب والترجمة، فإنه ذكر أفرادًا من مسائل التوحيد وأفرادًا من مسائل الشرك الذي هو ضد التوحيد وكما ذكرنا سلفًا أن التفسير يأتي على طريقتين، إما بتبيين المعاني المشتمل عليها اللفظ، وإما بتبيين ضد الشيء الذي يتبين به تمام ضده كذلك، وهذا وارد في جملة الأبواب والتراجم التي ذكرها المصنف بعد هذا الباب.
باب
من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
بهذا الباب وما بعده شرع المصنف ـ رحمه الله ـ في تبيين التوحيد وتفسيره؛ وإنما جعل معرفة الشرك وأنواعه من تبيين التوحيد لأن الضد يعرف بضده، كما قيل: وبضدها تتميز الأشياء.