باب
ما جاء في الإستسقاء بالأنواء
هذا الباب عقده المصنف رحمه الله ليبيّن أحكام الاستسقاء بالأنواء. والأنواء واحدها نوء، والنوء مأخوذ من قولهم ناء ينيئ إذا طلع وأثر في الشيء، وهذا المعنى اللغوي موجود في الطالع والنازل في المنازل التي يعرفها الناس وأصحاب الفلك، لأن سقوط الكوكب يوجب طلوع غيره فيما يكون بعده، فعندما يسقط يطلع آخر فيكون المعنى: الاسقاط موجب لنوء كوكب آخر، أي لخروجه وتأثيره وطلوعه.
والأنواء لا يقصد بها الكواكب نفسها وإنما يقصد بها ما بين الكوكب والكوكب عند سقوطٍ وطلوع، فالكواكب والنجوم التي تسقط هي ثمان وعشرون منزلًا، وثمان وعشرون طالعًا كما ذكر ذلك علماء الفلك، ونص عليه الإمام القرطبي رحمه الله في (تفسيره) .
فبين كل كوكب وآخر مسافة، وهذه المسافة تسمى بالمنزل فعندما يذكر علماء الفلك المنازل فلا يقصدون الكواكب نفسها وإنما يقصدون المسافة بين الكوكب والآخر. ثم إن السقوط والطلوع للكواكب الذي يسميه الناس بالطالع والنازل والساقط لايكون بين الساقط والنازل إلا ثلاثة عشر يومًا وهو مع أحد الكواكب يمتد إلى أربعة عشر يومًا حسب سير الشمس فالشمس عندما يسقط أحد الكواكب تسير ثلاثة عشر يومًا ثم ينتهي هذا النوء، فالنوء اسم لهذه الفترة الزمنية عندما سقط ذلك الكوكب.
مثال ذلك الشَرَطان (بالشين المعجمة) ويقال السرطان، واللغة الأولى هي الفصحى، والشرطان والإكليل كوكبان معروفان، فعندما يسقط الشرطان فإنه يوجب طلوع الإكليل حتى يختفي الإكليل تسمى الفترة بـ (النوء) فيقال (نوء الشرطان) فالساقط عندما يسقط يوجب طلوع الإكليل يمتد هذا الإكليل مدة ثلاثة عشر يومًا فترة مسيرة الشمس، فهذه المدة يقال لها (نوء الشرطان) لأن الساقط هو الشرطان وعندما يسقط الشرطان أو غيره من الكواكب يسمى النوء بالساقط للفترة التي بعده حتى يسقط الآخر، وقد تمتد الفترة إلى أربعة عشر يومًا مع كوكب واحد، وهذا كله مسيرة السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا (365) .
وهذا الذي يقصدونه بالمنازل ويقصدونه أيضًا بقولهم الكواكب ويقصدونه بقولهم الأنواء، فالأنواء تبين أنها الفترة الزمنية بين السقوط والطلوع، والكواكب هي التي تسقط وتطلع، والمنازل هي المسافة