بسم الله الرحمن الرحيم
قال المصنف رحمه الله تعالى [كتاب التوحيد] هذا كلام إضافي يأتي مرفوعًا ومنصوبًا، فأما الرفع فعلى كونه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأً لخبر محذوف، تقدير الأول: هذا كتاب التوحيد، وتقدير الثاني: كتاب التوحيد هذا؛ وأما النصب فعلى المفعولية لفعل محذوف مناسب، كخُذْ وافهم. والرفع أولى؛ لأن فيه إبقاءً لركن الإسناد ولتصريح أكثرهم به.
ولقد فصّل المصنف رحمه الله كتابه هذا بالتراجم، واستهلها بـ (كتاب التوحيد) لضم الشيء إلى ما يلائمه وفصله عما لا يلائمه، وتسهيلًا للطالب، إذ كان إفراد كل نوع بباب يقصد عند الحاجة أسهل في الاقتباس، وأبعد في تحصيل الشيء من مضانه عن الالتباس، وتنشيطًا للقارئ لأنه كلما ختم بابًا وأخذ في غيره كان ذلك أبسط لنفسه وأنشط لهمته من أن يستمر على الكتاب بطوله، ولذلك فصّل الحكيم كتابه سورًا.
قوله [كتاب] من كتب، قال ابن عصفور في (الممتع) (إنما زيدت الألف على الأصل لدفع قلق اللسان بالحركات المجتمعة) . ومادة (كَتَبَ) تدل على الجمع والضم، قال ابن بردة: ــ
لا تأمنن فزاريًا حللت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
قال ابن فارس في (المقاييس) (الكاف والتاء والباء، أصل صحيح واحد يدل على جمع شيء إلى شيء، من ذلك الكتاب والكتابة، يقال كتبت الكتاب أكتبه كَتبًا) .أ. هـ، ووجه معنى الضم في الكتاب هو ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط قاله الأصفهاني في (المفردات) ، والكتاب في وضع المصنف ــ رحمه الله ــ هو المشتمل على المسائل سواءً كانت قليلة أم كثيرة، وإنما عبر عنها بلفظ (كتاب) دون لفظة (باب) لأن الكتاب أعم وأوسع إذ يدخل فيه أنواع التوحيد وما إليه، خلافًا للباب فهو قاصر على بعض أنواع التوحيد أو مضاده.
قوله [التوحيد] مصدر وحدّه يوحدّه توحيدًا، إذا جعله واحدًا فردًا، ومنه: ــ
يا واحد العُرب الذي ... ما في الأنام له نظير
والتوحيد هو: إفراد الله في العبادة والربوبية والأسماء والصفات.
واعلم رحمك الله أن لأهل السنة طريقتين في تقسيم التوحيد، مضمونها واحد: ــ
* الطريقة الأولى: تقسيمه إلى ثلاثة أقسام، إلى توحيد ألوهية، وربوبية، وأسماء وصفات، فأما توحيد الألوهية أو الإلهية فهو (إفراد الله بأفعال العباد، كالصلاة والزكاة والذبح ونحوها) .