باب
ما جاء في التطير
الطِيَرَة: مأخوذة من الطائر، ومادة (الطاء والياء والراء) ترجع في أصل الاشتقاق اللغوي إلى معنى: الخِفَة، كما جزم بذلك أئمة اللسان العربي، ومنهم الإمام ابن فارس رحمه الله، وهي تأتي بمعنى: التفاؤل والتشاؤم من شيء ما. وهذا المعنى اللغوي وارد في استعمالات الشرع، ومنه كثير من النصوص التي أوردها المصنف رحمه الله في هذا الباب.
فالطيرة في الاصطلاح العام تُضْبَط بكونها: تفاؤلٌ أو تشاؤمٌ يحدث نتيجة شيء مرئي أو مسموع أو معلوم. وهذا الضابط نص عليه غير واحد من العلماء، ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله كما في (مفتاح دار السعادة) .
والطيرة قسمان، ولكل قسم حكمٌ يخصه: ــ
القسم الأول: هو القسم الجائز، بل المندوب وهو ما يسمى في الشرع بـ (الفأل الحسن) . وهو ما أورث سرورًا للنفس وبهجة للفؤاد عند إقدام على شيء أو إحجام عنه، وليس سببًا لا في الإقدام ولا في الإحجام، ومثال ذلك ما رواه الإمام الترمذي رحمه الله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه إذا سافر أن يسمع: يا راشد، يا نجيح ... ) وصححه الترمذي رحمه الله.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أمضى أمرًا وعزم عليه وباشر سببه ـ وهو السفر هنا ـ فإنه يحب أن يسمع الكلمة الطيبة من الفأل الحسن التي تشرح الفؤاد وتسبب بهجة للنفس كراشد ونجيح، لأن هاتين الكلمتين لهما معنى حسن، فراشد اسم فاعل من الرُشد، ونجيح يدل على النجاح، وهذا المعنى الذي امتدحه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال فيه (إن الله يحب الفأل الحسن) ، وقال: (هي الكلمة الطيبة) كما سيأتي معنا في نصوص الباب إن شاء الله، وإنما أجيز الفأل الحسن لعلتين: ــ