ـ العلة الأولى: ما غرزه الله تعالى في طبائع البشر وجبلهم عليه من حبهم لسماع الكلام الحسن ومشاهدة المنظر البهيج كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في (مفتاح دار السعادة) . وجزم بذلك الإمام الخطابي رحمه الله في (معالم السنن) .
ـ وأما العلة الثانية: فهي أنه لا يخشى من هذا الفأل الحسن مفسدة، بحيث يُحْجِم الإنسان عن أمر أراد أن يمضي فيه أو غير ذلك، وإنما هو استئناس بشيء وقع بعد انقضاء العزم ومباشرة سببٍ أراده المرء.
فلهاتين العلتين انتفت المفاسد التي تحيط الطيرة في أصلها، وتحققت مصلحة ألا وهي سير أوامر الشرع على وفق ما جبل الله تعالى الخلق عليه وطبعهم عليه من الغرائز والطبائع التي أوجدها فيهم من طبع خيرٍ وغريزة خير، ومنها ما ذُكر.
وأما القسم الثاني من أقسام الطيرة فهو: التشاؤم والتفاؤل بشيء ما للإحجام أو للإمضاء. وهذا المعنى هو الذي نهى عنه الشرع الحنيف وهو الذي بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه شرك لا يجوز. ومثاله: ما كان يفعله أهل الجاهلية ــ من كونهم يتطيرون بالطيور ــ فعندما يذهب الطير يَمْنَة فإنهم يتفاءلون بذلك فَيَمْضون فيما عقدوا العزم عليه، وعندما يذهب الطير ذات الشمال فإنهم يتشاءمون بذلك، وربما أَحْجَموا عن مُضِيِّهم فيما عقدوا العزم عليه. فهذا التطير له وقعٌ في الإحجام والإقدام، في ثني العزيمة على شيء قد أراده المرء أو عكس ذلك.
وهذا القسم منه ما يسمى تطيرًا ـ لأن العرب تسمي الأشياء بمسبباتها ـ كما ذكر ذلك بعض أهل اللسان كأبي عبيد رحمه الله، فإنه ذكر أن التطير مأخوذ من الطير لأن العرب كانت تعلق التفاؤل والتشاؤم بذوات الأجنحة من الطيور كما سبق.
ولْيُعْلَم أن الأصل في الطيرة هو المنع والنهي. وهي على قسمين: ــ
ـ منها ما هو شرك أكبر، وضابطه أن يتطير المرء بشيء بحيث يتعلق به ويجعل له ضرًا أو نفعًا أو نتائج في هذا الوجود. وإنما قيل إنه شرك أكبر لأنه أعطى غير الله شيئًا من صفات ربوبيته سبحانه وتعالى، وفي هذا الضابط نجد أن من يباشر التطير على هذه الصفة قد صرف صفتين عظيمتين ـ وهما من صفات ربوبيته عز وجل ـ صرف تينك الصفتين إلى غير الله تعالى، أما الصفة الأولى: فهي النفع والضر وإيجاد ذلك. وأما الصفة الثانية: فهي التدبير، بحيث يجعل من يدبر شيئًا في الوجود مع الله تعالى، من إيقاع شيء يُخشى أو شيء يُبتغى.
ـ ومن الطيرة ما أوصل صاحبه إلى الشرك الأصغر، وهو الأصل في الطيرة أنها لا توصل إلى الشرك الأكبر، وبهذا قال جماعة من أهل العلم، وبه جزم أكثر أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى، وضابط هذا