باب
الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
قوله [باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله] يعني باب الدعوة إلى التوحيد؛ لأن الدعاء يأتي بمعنى الدعوة كما نص على ذلك أئمة اللغة، وأصل مادة (الدال والعين وحرف العلة) يدل على معنى واحد؛ ألا وهو: جلب المخاطب بكلام وصوت ونحوهما، قاله ابن فارس في (المقاييس) .
وإنما أَعقَب المصنف ـ رحمه الله ـ بهذا الباب بعد ذكر التوحيد وحقيقته وفضله، والشرك والخوف منه؛ لمعنى عظيم، وهو: أن الأبواب السابقة تتعلق بالعبد وتكميله للتوحيد وحذره من الشرك، وأنه يلزمه بعد إكمال نفسه أن يكمل غيره بدعوته إلى التوحيد وتحذيره من الشرك.
وقوله [وقول الله تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} ] فيها أمرُ اللهِ رسولَه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يقول (هذه سبيلي) أي: هذا طريقي وسنتي، قاله الربيع ابن أنس، ويروى عن ابن عباس رضي الله عنه.
قوله [على بصيرة] أي: على علم ومعرفة، لا على ضلال وجهل. وعُبّر عن ذلك بالبصيرة لحكمة لطيفة ذكرها المفسرون، وهي: أن حقائق العلم التي يدعون إليها أصبحت ماثلة في عقولهم كمثول الشيء الشاخص أمام أبصارهم، وهذا أعلى غايات إدراك الشيء ومعرفته.
قوله [أنا ومن اتبعني] اُختلف في المعنى، فقال الفرّاء وجماعة: هذه الجملة تعود على ضمير الرفع في قوله (أدعو) فيكون المعنى على ذلك (أنا ومن اتبعني ندعو إلى الله على بصيرة) وهذا التوجيه هو الأليق بفصاحة القرآن وبلاغته، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى.
وذهب ابن الأنباري وجماعة إلى عدم رجوع الجملة إلى ضمير الرفع في قوله (أدعو) فيكون المعنى: أنا ومن اتبعني على بصيرة، أي على علم ومعرفة ودراية، فلا يدخل على هذا التوجيه كون أتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعاة إلى سبيله وفي قوله (أدعو إلى الله) إشارة إلى الإخلاص، أي: لا إلى غيره من جاه ومال وسلطان ونحو ذلك.
قوله [عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذًا إلى اليمن ... ] كان بعثه إياه في السنة العاشرة للهجرة قبل حجته - صلى الله عليه وسلم -، جزم بذلك جماعة كابن حجر وغيره، واختُلف هل بُعث قاضيًا أم حاكمًا وواليًا؟ جزم بالأول ابن عبد البر، وصحح الثاني ابن تيمية رحمة الله على الجميع.