باب
من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب
بعد أن بين المصنف ـ رحمه الله ـ فضل التوحيد عند أهله، أَعقَبَ ذلك بما هو أخص منه، وهو فضل تحقيق التوحيد، إذ تحقيق التوحيد معنى زائد عن ماهية التوحيد وأصله المضاد للشرك، فتحقيق التوحيد له درجتان، واجبة ومندوب إليها: ــ
فأما الدرجة الواجبة: فترك أمور ثلاثة، الأول: الشرك وأنواعه، الثاني: البدعة وأنواعها، الثالث: المعاصي المؤثرة في التوحيد بأنواعها. فالشرك الأكبر والبدعة الاعتقادية المكفرة كلاهما ينافيان أصل التوحيد الواجب، خلافًا للشرك الأصغر والبدعة الاعتقادية غير المكفرة فإنهما ينافيان كمال التوحيد الواجب، وأما البدع العملية غير الشركية والمعاصي فكلاهما يُؤثِّر في التوحيد ويُضعِفُ أثَرَه ويُنْقِصَه.
وأما الدرجة المندوب إليها: فهي درجة الخُلَّص من المُوحِّدين الذين تركوا: الشرك وأنواعه، والبدعة وأنواعها، والمعاصي وأنواعها؛ حتى تركوا ما لا بأس به خشية الوقوع فيما فيه بأس، ويدل عليها ما رواه الترمذي وأحمد وغيرهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وقد قَوَّاه الحافظ ابن حجر في (الفتح) وقال في (تغليق التعليق) : وسنده صحيح.
وهذه الدرجة لا ينالها إلا من استقامت حاله بالجملة، وأما من وقع في كبائر الذنوب والمعاصي المهلكة فليس إليها بسبيل، وينطبق عليه ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه أتاه أُناس من أهل العراق فسألوه عن دم البعوضة، فقال لهم: تسألون عن دم البعوضة وقد قتلتم الحسين بن ... علي؟! وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عن الحسن والحسين: (هما ريحانتاي في الدنيا) أخرجه البخاري.
قوله [بغير حساب] أي بغير حسابٍ مطلقًا؛ لأن الحساب نوعان: ـ
حسابٌ مُهْلِكٌ وهو: الذي عناه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله (ليس أحد يُحَاسَبُ يوم القيامة إلا هَلَك) وحسابٌ يسميه الشرع بعرض الأعمال، كقول الله تعالى عن الذي يأخذ كتابه بيمينه ... {فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا} حيث قال عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث عائشة رضي الله عنها (إنما ذلك العرض) رواه البخاري؛ فَنَفيُ الحساب يشملهما.
قوله [وقولُ الله تعالى]
بالرفع على القطع، ويجوز الخفض على الإتباع أي: (بابُ قولِ الله تعالى)