قوله [ {إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله} ] جمعت هذه الآية أربع صفات لإبراهيم عليه الصلاة والسلام تدل على تمام تَحقُّقِهِ في التوحيد: ــ
* الصفة الأولى: كونه (أُمة) وللصحابة فمن بعدهم تفسيرات لهذه الصفة: ــ
ـ الأول: أنه جَمَع فضائل أُمة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومنه قول بعضهم: ــ
وليس على اللّهِ بمُسْتنكَرٍ ... أن يَجمَعَ العَالَمَ في واحدِ
ـ الثاني: أنه أُمة يقتدى به ويؤتسى بهديه، فكأنه إمام، ومنه قول الله تعالى {إني جاعلك للناس إمامًا} ، جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما هذا التفسير، ويُشكل عليه أن الأُمة تختلف عن لفظة إمام في شيئين: ــ
الأول: أن الإمام من اُتُّبِع وقُصد هديه سواءٌ أكان بعلم منه أو لا، برضى أم لا.
الثاني: أن الأُمة فيها معنى الجمع والضم، فالمتصف بصفة الأُمة كأنه جمع صفات كثيرة لا توجد إلا في الأُمة جمعاء، خلافًا لمن نُعت بكونه إمامًا.
ـ الثالث: أن الأُمة معناه معلِّم الناس الخير، قاله ابن مسعود رضي الله عنه وإبراهيم النخعي رحمه الله. وقد جاء عند العرب أنهم يطلقون على المُعلِّم أو العالم (أُمة) كما قاله سيبويه.
ـ الرابع: أنه أُمة لكونه انفرد مدة من الزمن بالتوحيد والإيمان، ويدل عليه ما رواه الإمام البخاري في صحيحه أن إبراهيم عليه السلام قال لزوجه سارة: (ليس معنا اليوم في الإيمان غيري وغيرك) . وبهذا المعنى جاء الاستعمال عند العرب، كما قاله الأزهري.
والمترجح: أن صفة إبراهيم بكونه (أُمة) تأتي عليها المعاني السابقة سوى كونه إمامًا للإشكال السابق؛ لأن غالب اختلاف الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم في التفسير إنما هو من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، قاله ابن تيمية في (مقدمة أصول التفسير) . فعليه كل واحدٍ قد ذكر معنى من معاني كلمة (الأُمة) مع شموليتها لتلكم المعاني.
* والصفة الثانية: (قانتًا لله) وأصل القنوت الطاعة، قال ابن القيم رحمه الله (وجميع استعمالاتها ترجع إلى دوام الطاعة) ولذلك إذا أدام وأطال العبد قيامه، أو سجوده، أو ركوعه في الصلاة عُدّ قانتًا. فعليه نُعت إبراهيم ـ عليه السلام ـ بدوام الطاعة التي هي: ضد الشرك والبدعة والمعصية.
* الصفة الثالثة: (حنيفًا) وأصل الحَنَف: الميل، ولذلك يقال: هذا رجلٌ أحنف إذا مالت قدماه إلى بعضهما فتميل الإبهام إلى القدم الأخرى والأخرى كذلك، ومنه سُمي الأحنف أحنف، قال ابن القيم رحمه الله (أصل الحنف الإقبال، ثم وصِف بلازمه، وهو الميل لأن المقبل على شيء مائل عن