فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 293

باب

قول الله تعالى {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}

هذا الباب عقده المصنف رحمه الله ليبين أن الطمأنينة من مكر الله واستدراجه لعباده يخالف كمال التوحيد الواجب، إذ إنه لا بد من الجمع بين الخوف والرجاء في هذا الباب، وهذا الذي دلت عليه الدلائل الصحيحة والبراهين الواضحة الكثيرة.

قوله: [باب قول الله تعالى {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} ]

[مكر الله] للسلف رحمهم الله عبارات في بيان تفسيره ومعناه، ومنها: قول بعضهم مكر الله هو استدراج الله لعباده. وهذا وارد عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم أبو الدرداء كما أخرجه ابن جرير رحمه الله في تفسيره وأخرجه الإمام اللالكائي في كتابه (شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة) وذكر طرفًا منه الإمام ابن بطة العكبري رحمه الله في كتابه (الإبانة الكبرى) .

ومن عباراتهم في بيان مكر الله قولهم: هو الأخذ بغفلة. وقد جاء ذلك عن بعضهم، ومن عباراتهم ما ذكره ابن قيم الجوزية في كتابه (أعلام الموقعين) وهو قولهم: المكر هو إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وهذا المعنى هو الذي جزم به ابن القيم رحمه الله وحمل عليه عبارات السلف المختلفة. وكلها من باب إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، ومكر الله لا يشتق منه اسم له ولا يطلق بإطلاق على الله وإنما يطلق في سياق يتمحض للمدح والثناء والكمال لله سبحانه وتعالى، وبه ورد النص كما في قوله تعالى {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} وقوله {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} فهذان موضعان يمحضان صفة المكر للكمال والثناء والمدح على الله سبحانه وتعالى. لذلك يذكر غير واحد من أئمة السلف ومنهم ابن قيم الجوزية كما في كتابه (بدائع الفوائد) يذكرون فائدة في باب أسماء الله وصفاته وهي أن الفعل أو الصفة إذا كانت لها وجه يأتي عليه المدح والثناء ولها وجه آخر يأتي عليه الذم والقدح فلا تطلق في حق الله مطلقًا إلا بسياق أو قرائن تمحضها للكمال والثناء والمدح. ومن ذلك المخادعة والكيد والانتقام ونحوها فإنها تدخل في جنس هذه القاعدة.

فإيصال المكر إلى الغير عقاب له على فعل ونحو ذلك، لا شك أنه كمال يليق نسبته إلى الله سبحانه وتعالى، كما في بعض الآية المذكورة آنفًا وأن إيصاله إلى الغير لا على جهة العقاب ولا على جهة الإستحقاق فلا شك أنه لا يصح أن ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، فهذه جهة ذم يحتملها فعل المكر من حيث أصله لا مخاطبة الرب سبحانه وتعالى به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت