وهنا ينبه إلى مسالك الناس في هذا الباب مع الأسباب، فهم على مذاهب: ــ
ــ فمنهم من يقول: المسببات دون أسباب مطلقًا، هؤلاء القدرية الذين يتبعون جهم ابن صفوان، يقولون: إنما جعل الإحراق بالنار وليست النار سببًا فيه وإنما كان الري والإرتواء عند الإنسان دون الماء فالماء ليس سببًا وهكذا وهؤلاء أصحاب مسلك فاسد شرعًا وعقلًا وحسًا، كما قاله ابن تيمية في رسالة (القضاء والقدر) وقاله ابن القيم كذلك في (شفاء العليل) .
ــ ومذهب أرباب التصوف الذين ينفون الأخذ بالأسباب ويقولون نحن نقول إن الأسباب تورث المسببات ولكن لا نعمل بالأسباب خشية التفات القلب إليها وهؤلاء لا شك أنهم طعنوا في الشرع لأن الشرع أتى بِطَرْق الأسباب.
ــ ومنهم الذين على منهج أهل السنة: يقولون الأسباب الصحيحة تطرق ولكن الالتفات والاعتماد على الله. وبيان ذلك أن السبب لا يوجب حصول المسبب إلا بشرطين: ــ
الأول: وجود أسباب أخرى. والثاني: انتفاء الموانع.
فالذي يملك إيجاد الأسباب الأخرى مع ذلك السبب لإنتاج المسبِّب هو الله سبحانه وتعالى وهو الذي يملك إزالة الموانع التي تمنع حصول المسبب فالاعتماد حينئذ على الله، لذا فإن الله حين أراد أن لا يقع المسبب عند إشعال النار وهو الإحراق قال {كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} فالله هو الذي يملك ذلك كله.