ــ ومنها ما دون الشرك الأكبر: كالشرك الأصغر أو الممنوع وهو أن يلتفت على السبب ويعتمد عليه وهذا لا شك أنه شرك أصغر خفي ونص على ذلك أهل السنة والجماعة وجاء عن جمع من الصحابة أنهم يقولون إنه شرك أصغر وبعضهم يقول خفي كما جاء عن أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وعائشة وغيرهم.
وقد يكون الشيء ممنوعًا بأن يعتمد لا على سبب حقيقي وإنما على سبب فاسد ولم يعتمد عليه اعتمادًا كليًا بل نظر إلى مسببه لكنه التفت إلى غير سبب وجعل شيئًا غير سبب في باب التوكل، كأن يضع الإنسان خرزات يظن أنها تشفيه من المرض مع نظره إلى الله وأنه هو الشافي الكافي ولكنه طرق سببًا ليس شرعيًا، فهذا من الأمور المحرمة. ثم يزاد على ذلك في التكلم على باب الأسباب وتعلقها بباب التوكل هنا فهي على ثلاث أقسام: ــ
الأول: أن يعتمد الإنسان على السبب اعتمادا كليا دون النظر إلى المسبب فهذا شرك.
الثاني: أن يعتمد على الله مع طرق الأسباب الصحيحة شرعا أو قدرا وهذا هو حقيقة التوكل لأن التوكل يلتئم من طرق الأسباب الصحيحة بالجوارح والاعتماد بالقلب على الله وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة والذي تدل عليه النصوص.
الثالث: طرق بعض الأسباب من جنس المباح لا من جنس التقرب والتعبد لله سبحانه فهذا ينظر فيه، فإن كان يشتت أمر التوكل والإلتفات إلى الله فيترك، وإن كان لا يشتت شمل التوكل ولا يفرق جمعيته في القلب فإنه حينئذ يطرق ويعمل به، لأن حكمة الله ربط المسببات بأسبابها وهذا من تمام حكمته وعدله ليبين عدله سبحانه، فالأسباب المباحة لا تطرق دائمًا ولا تترك دائمًا وإنما ينظر في أثرها على توكل العبد والتفاته إلى الله سبحانه.
ويتحصل من ذلك أن منهج أهل السنة والجماعة أنهم يطرقون الأسباب الصحيحة بجوارحهم مع اعتماد قلوبهم والتفاتها إلى الله سبحانه فلا يلتفت إلى السبب مجردًا، لذا حذر كثير من السلف رحمهم الله من أعمال كانوا يخشون أن تكون من باب الاعتماد على الأسباب دون الالتفات إلى الله سبحانه وتعالى أو أنها تشتت شمل التوكل على الله سبحانه وإن كانت مباحة في أصلها وعلى هذا يحمل أقوال السلف وأعمالهم عندما يحذرون من شيء مباح في أصله، ومثاله: ما يحذر بعضهم من أخذ جُعل على عمل بحيث يكون مرتبًا لهم دوريًا، قال إن ذلك يخرم الاعتماد على الله، ولا شك أن هذا الكلام محمول على التفصيل السابق (والإنسان على نفسه بصيرة) إذا رأى أن هذه الأسباب تورث عنده تفريق شمل التوكل والاعتماد على الله فليدعها وليتركها فإن الله سيجعل له من بعد عسر يسرا ويرزقه من حيث لا يحتسب.