فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 293

فالتوكل إما أن يكون على الله، أو على غيره فإن كان على الله فهو نوعان: ــ

الأول: ما يكون من جنس توكُّلِ العبادة، فهي عبادة يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل، وهذا نوع واجب ويدل عليه ماسبقه من أدلة.

الثاني: أن يكون من باب التوكل على الله للوصول إلى محظور. والفرق بين الثاني والأول أن الأول توكل من باب التقرب والتعبد له والوصول إلى بعض مراضي الله وهذا هو الواجب، والثاني: توكل على الله للوصول إلى ما يبغضه الله سبحانه وتعالى؛ يقول ابن القيم (فأهل الفسق والفجور ربما كان عندهم من التوكل ما ليس عند بعض أهل الإسلام ليصل إلى محرم أو إلى شيء أصله محرم كأصحاب الكشوفات من الصوفية فإنهم ربما توكلوا على الله بجّمْعِيَّة قلوبهم وكان عندهم من عمل أهل القلب ما ليس عند آحاد المسلمين من التوكل) .

فهذا لا يجوز لأنه وسيلة إلى محرم وصاحبه آثم بهذا الفعل إذ إنه يريد أن يصل إلى محرم وعقد قلبه عليه. وإما أن يكون التوكل على غير الله، فهذا أنواع: ــ

الأول: أن يتوكل على غير الله كتوكله على الله عز وجل فهذا شرك بالله لأنه أعلى غير الله كإعلاء الله في باب التوكل.

الثاني: أن يتوكل على غير الله فيما لا يصح إلا لله وهذا شرك محرم لا يجوز.

الثالث: أن يتوكل على غير الله بحيث كونه سببًا دون نظر إلى المسبَّب، فهذا شرك خفي أصغر، وهو ما يسميه بعض السلف بالْتِفات القلب إلى غير الله.

الرابع: الاعتماد على السبب بحيث كونه سببًا مع النظر إلى مسبِّبه فهو ليس اعتمادًا مجردًا وإنما طَرْق للسبب بالجارحة والتفات بالقلب إلى مسبِّبه وهو الله سبحانه وتعالى؛ ففرق بين النوعين الأخيرين، فالأخير هو الذي عليه السلف وهو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، حيث إنهم يطرقون الأسباب الصحيحة شرعًا أو قدرًا مع التفاتهم القلبي إلى الله عز وجل. وسبق معنا ذكرٌ لباب الأسباب.

فيتحصل من هذا كله أن التوكل إما أن يكون مشروعًا أو ممنوعًا: ــ

أما الممنوع: فهو إما أن يكون من باب الشرك الأكبر، وهذا له صورتان: ــ

أحدهما: أن يتوكل على السبب توكلًا ليس إلا لله وهو اعتماد كلي على السبب.

والأخرى: أن يتوكل على شيء لا يجوز أن يتوكل عليه لأنه لا يليق إلا بالله كأن يطلب الرزق أو الشفاء من البشر أو الخلق فلا شك أن هذا طلب من سبب لا يليق أن يطلب إلا من الله ولا يليق أن يتوكل إلا على الله فيه، وهذا أيضًا شرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت